كتب الأخ الفاضل محمد نضال عايش على قناته
ترمب يريد جعل الكرة في ملعب المجـ..ـاهدين، والإسلام أبقاها في ملعب الأمة "وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ"، "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه".
لو كان في الأمة قادة مخلصون لله، لما كان السؤال "بمَ سيجيب المجـ..ـاهدون على خطة ترمب"، بل كان سيكون بم ستجيب الأمة وقائدها.
طريقة تعاطي الأمة من أول يوم مع القضية طريقة خاطئة، فبقيت في موقع المشجع المنتظر لا أكثر، وكانوا ينادونكم أن انصرونا.
الأمة قادرة في كل حين على استدراك أخطائها، وإن كان الاستدراك يزداد صعوبة كلما تقدم الوقت، ولكن الله معنا إن توكلنا عليه حق التوكل بالتزام أحكامه وطريقة تنفيذ أحكامه.
وعلق على كلامه أخت فاصلة بهذا التعليق :
ان توكلنا عليه حق التوكل بالتزام أحكامه وطريقة تنفيذ أحكامه. شرط ووعد. يجب أن نستميت لتحقيق الشرط.
اذا وافقت حماس سيكون الوضع سيء من منظور ديني ولكن لعله الصلح الذي بعده الفتح اذا استغلينا الصلح لتحقيق شرط النصر واستفدنا من الدرس القاسي أما إذا لم نفعل فسيعملوا على استئصال الدين وتركيع كل قائم عليه سلمنا الله. والله أعلم.
فقلت مستعينا بالله تعالى وذلك بحكم إنتشار مثل كلامهما وفهمه على غير مقصوده
بسم الله الرحمن الرحيم
في تعليق على كلام الأخ محمد نضال عايش
أولاً: النظر إلى الواقع بعين الإيمان لا القنوطإن كلام الأخ محمد نضال فيه من الحق ما لا يُنكر، ففعلاً الأمة مقصّرة، وفعلاً القيادات مقصّرة، وفعلاً الواجب كان على الأمة كلها أن تنصر إخوانها. لكن النظرة التي تحمل طابعاً قاتماً، وكأن الأمر قد انتهى أو كاد، هي نظرة تغفل عن سنن الله الكونية الكبرى وعن حفظ الله لدينه.
نعم، نحن مأمورون بالنقد الذاتي والمحاسبة، لكننا أيضاً مأمورون بحسن الظن بالله وباليقين في نصره. والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139].
ثانياً: دين الله محفوظٌ بحفظه لا بجهدنا وحده
قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9].
هذا وعدٌ إلهي قاطع لا يتوقف على جهد البشر وحده، بل على إرادة الله النافذة. ومن ظن أن الدين يُستأصل بخطة ترمب أو غيره فقد أساء الظن بالله.
نعم، قد يُبتلى أهل الحق، وقد يُمتحنون، لكن الدين باقٍ ببقاء الله تعالى له. والتاريخ شاهد على ذلك: كم من إمبراطورية حاولت استئصال الإسلام فاندثرت هي وبقي الدين؟ التتار، الصليبيون، الشيوعية، الاستعمار... كلهم ذهبوا والإسلام باقٍ.
ثالثاً: مكر الله فوق مكرهم
قال تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: 30].
انظر إلى ما يجري الآن: غزة جعلت الإسلام حديث العالم، وأعداؤنا يظنون أنهم ينتصرون بينما الله يفضحهم أمام شعوبهم وأمام التاريخ. ملايين البشر في الغرب يتساءلون عن الإسلام، وآلاف يدخلون في دين الله، والأقصى عاد إلى وعي الأمة بعد نسيان، والأمة تستيقظ - وإن كان الاستيقاظ بطيئاً.
هذا مكر الله: يُخرج من المحنة منحة، ومن الضيق فرجاً، ومن الظلمة نوراً. والله لا يُخلف وعده.
رابعاً: الأمة في مخاض الولادة لا في النزع الأخير
ما نراه اليوم من آلام وابتلاءات هو مخاض ولادة لا سكرات موت. الأمة تتألم لأنها تلد وعياً جديداً، جيلاً جديداً، فهماً جديداً لدينها ودورها. هذا المخاض قاسٍ، لكنه علامة حياة لا علامة موت.
انظر إلى الشباب المسلم في كل مكان: كيف عاد إلى دينه، كيف يدافع عن قضاياه، كيف يبحث عن الحق. هذا جيل ما بعد الهزيمة النفسية، جيل يعيد بناء الثقة بالإسلام كحل وكهوية وكرسالة.
خامساً: السنن الإلهية في النصر والتمكين
النصر له شروط، نعم، لكن الله يمهّد له بطرق لا نفهمها أحياناً. السنّة الإلهية تقول: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7]،
ولكنها تقول أيضاً:
﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 216].
قد يأتي الصلح، وقد يبدو هزيمة، لكن الله قد يجعله بداية النصر الحقيقي. صلح الحديبية كان في ظاهره تنازلاً، لكن الله سماه فتحاً مبيناً: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ [الفتح: 1].
لماذا؟ لأنه مهّد الطريق لفتح مكة وانتشار الإسلام.
سادساً: تفسير الآيات الكريمة في واقعنا
الآية الأولى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَنَا نَصْرُنَا فَانْتَصَرْنَا﴾ [الصافات: 23].
هذه الآية تصف لحظة الذروة في الابتلاء، حين يصل اليأس بالمؤمنين مبلغه، حتى إن الرسل أنفسهم - وهم أصبر الخلق - يصلون إلى حافة الاستيئاس، وظن بعضهم أن أقوامهم قد كذّبوهم كذباً لا رجعة فيه.
في هذه اللحظة بالذات - لحظة الظلمة الكاملة - يأتي نصر الله. لماذا؟ لأن الله يريد أن يُعلّمنا أن النصر من عنده وحده، لا من قوتنا، ولا من جهدنا، بل من فضله سبحانه.
واقعنا اليوم: نحن في هذا المخاض. الأمة تُبتلى، والمؤمنون يتساءلون "متى النصر؟"، والأعداء يتجبّرون. لكن سنّة الله لم تتغير: بعد العسر يسر، وبعد الضيق فرج، وبعد الليل فجر.
والله قد يُؤخر النصر ليُمحّص، وليُخرج من الصف المنافقين، وليُعلي درجات الصابرين، وليُظهر معدن كل إنسان. ثم يأتي نصره حين يشاء، فيُنجّي من يشاء، ويُهلك الظالمين.
الآية الثانية: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ ۖ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 214].
هذه الآية تضع قانوناً كونياً: لا جنّة بلا ثمن، ولا نصر بلا ابتلاء، ولا تمكين بلا امتحان. البأساء (الفقر والحاجة)، والضرّاء (المرض والألم)، والزلزلة (الخوف والاضطراب) - كلها سنن لا بد منها.
وانظر إلى نهاية الآية: ﴿مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ﴾ هذا السؤال نفسه - "متى النصر؟" - علامة على شدة الابتلاء. لكن الله يُجيب فوراً: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾.
قريب. ليس بعيداً. قريب بقُرب رحمة الله، بقُرب قدرته، بقُرب لطفه.
واقعنا اليوم: الأمة تسأل "متى النصر؟"، والمؤمنون يتألمون ويستعجلون الفرج. لكن هذا السؤال نفسه يعني أننا في المرحلة الأخيرة قبل النصر بإذن الله. الزلزلة على أشدّها، والابتلاء بالغ مبلغه، والأمة تتمخّض... والله يقول: نصري قريب.
سابعاً: الخلاصة والتوجيه
- نعم للنقد الذاتي، لكن لا للقنوط واليأس.
- نعم للمحاسبة، لكن لا لنسيان وعود الله.
- نعم للتخطيط والأخذ بالأسباب، لكن مع يقين أن النصر من عند الله.
- الدين محفوظ بحفظ الله، ولن يستأصله أحد مهما بلغت قوته.
- الأمة تستيقظ، وإن كان الاستيقاظ مؤلماً، لكنه استيقاظ حقيقي.
- مكر الله فوق مكرهم، وما يظنونه انتصاراً قد يكون بداية هزيمتهم.
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 21].
نسأل الله أن يثبّتنا وإياكم على الحق، وأن ينصر المستضعفين من عباده، وأن يُعجّل بفرجه وبنصره. آمين.
والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اكتب مراجعة عامة