img
img

مقال: أنوار الإيمان تنير ظلمة الكهف

img
منَصَّة المَرْأَة المُسْلِمَة

مقال: أنوار الإيمان تنير ظلمة الكهف

سلسلة: {وذكرهم بأيام الله}


 أ.سميحة بنعمر

الأمين العام لشبكة الرواد المجتمعية 
ومستشارة منصة المرأة المسلمة
وخريجة أكاديمية "تفسير" بالرياض



في قلب القرآن، تقف سورة الكهف كجبل شامخ، ينير الدرب للحائرين، ويحيي القلوب الخائفة.


يتخللها أربع قصص تقدم لنا منهج حياة، وخريطة طريق للنجاة من أعظم الأخطار التي تحاك لقلب المؤمن وعقله.


إنها تتحدث عن ابتلاء المؤمن في الفتن والتي اختصرتها السورة في تلك القصص فكأنها أركان معركة المصير بين الإنسان وبين إغواء الدنيا والشيطان.


فتنة الدين.. ونجاة الفتية

تبدأ السورة بقصة الفتية الذين فروا بدينهم من طغيان ملك متجبر، فآووا إلى كهف صغير، لكن قلوبهم كانت عامرة بالإيمان العظيم.


لقد فضلوا العزلة في ظلمات الجبل على الذل في نور القصور فكانت معجزة الله لهم أن أبقاهم نياما ثلاثمئة سنة وازدادوا تسعا، ليصحوا على قريتهم وقد آمنت.


إنها فتنة العقيدة: عندما يطلب منك التنازل عن دينك مقابل السلامة، وهي الفتنة التي يُختبر فيها صدق الإيمان وقوة اليقين.


ثم تأتي الآيات الكريمات بعد القصة مباشرة لترسم طريق النجاة من هذه الفتنة، فتكشف أن العصمة لا تكتسب بمجرد الهرب، بل ببناء حصون داخلية للقلب.



حصن القرآن تلاوة وفهما وعملا: فهو النور الذي يبدد ظلمات الشك والضلال.

يقول تعالى:{واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا}.


يقول ابن القيم موضحا شرف هذه التلاوة:

"التلاوة تتناول تلاوة لفظه ومعناه، وتلاوة المعنى أشرف من مجرد تلاوة اللفظ".


فليس المقصود مجرد القراءة المجردة، بل القراءة المتدبرة التي تصل إلى القلب فتغير السلوك.



حصن الصحبة الصالحة: والذي يعين المؤمن على الثبات، كما في قوله تعالى: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه}.


يشرح السعدي هذا المعنى فيقول: "في الآية الأمر بصحبة الأخيار، ومجاهدة النفس على صحبتهم ومخالطتهم وإن كانوا فقراء؛ فإن في صحبتهم من الفوائد ما لا يحصى".


صحبة تعين على الطاعة، وتذكر بالله، وتقوي الإيمان في لحظات الضعف.


ويأكد ابن القيم على أهمية اختيار الرفقة والصاحب الحق فيقول: "فينبغي للرجل أن ينظر في شيخه وقدوته ومتبوعه.. فإن وجده ممن غلب عليه ذكر الله تعالى، واتباع السنة، وأمره غير مفروط عليه، بل هو حازم في أمره؛ فليستمسك بغرزه".


حصن الإيمان باليوم الآخر والزهد في الدنيا: وذلك يكون بعدم الانشغال بزينة الحياة الدنيا عن الغاية الأسمى، كما في قوله تعالى: {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا}.


يوضح الإمام الرازي في تفسيره: "يدل على أن شر أحوال الإنسان أن يكون قلبه خاليا عن ذكر الحق، ويكون مملوءا من الهوى الداعي إلى الاشتغال بالخلق".


ويبين ابن عثيمين أن في الآية إشارة إلى أن "الإنسان لا ينبغي له أن يدع أحوال الآخرة والعبادات إلى أحوال الدنيا".


فذكر الموت والجنة والنار يذكر القلب بالغاية الحقيقية، فيزهد في زينة الدنيا الزائلة فيثبت عند الفتن.


عند ورود الفتن، كل إناء بما فيه ينضح وكل قلب بحسب ما فيه يشع حياة أو يمرض فيموت.


وهكذا، تقدم قصة أهل الكهف مع آيات العصمة التي تبعتها، نموذجا حيا ودرسا عمليا في كيفية مواجهة فتنة الدين.


إنها ليست قصة هروب، بل هي قيمة ثبات على المبدأ، يكون بالاعتصام بالوحي، وبالأخوة في الله، وباستحضار دار الخلود.


فإذا مرت بك لحظة ضعف، أو همس الشيطان في نفسك بالتنازل عن دينك، فتذكر أولئك الفتية في ظلمة الكهف.. كيف آثروا رضا الله على رضا الطغاة، واختاروا وحدة الإيمان على صحبة الكفر. 


لقد نامت أجسادهم قرونا، لكن إيمانهم ظل يقظا شامخا، حتى أصبحوا عبرة للأجيال.


فليكن مصيرك كمصيرهم: ثباتا يلامس السماء، وإيمانا يخترق الصخر، وقلبا يرى بنور الله، فيظل راسخا حتى يلقاه!

تعليقات

الكلمات الدلالية