في زمنٍ تدنت فيه الموازين، وارتبكت فيه المفاهيم، وصار البقاء غاية للكثيرين بأي ثمن، تأتي حكاية عائلة بكر في مخيم الشاطئ بغزة كنموذج لكثير من العائلات الغزية التي ترفع الرأس وتعيد للقلوب إيمانها، ولتبيّن أن هناك ما هو أغلى من الحياة نفسها، إنها الكرامة والإيمان.
فقد خيّر الاحتلال هذه العائلة، كما يخير غيرها، بين خيارين: خيار الهوان، بالتعاون وتشكيل ميليشيات تابعة له مقابل وهم الأمان والبقاء في الديار. وخيار الشهادة، بالرفض والثبات على المبدأ، مهما كان الثمن دماراً وتشريداً.
لم تتردد عائلة بكر طويلاً. كان قرارهم هو القرار الذي يليق بمسلم يعلم أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين. لقد اختاروا أن يحافظوا على دينهم وأمانتهم وكرامتهم. اختاروا أن يبيعوا أنفسهم لله، في صفقة رابحة وتجارة لن تبور.
{إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} [التوبة: 111].
لقد فهموا أن "التجارة" الحقيقية ليست في بيع الضمير لقاء سلامة الجسد، بل هي في بيع الجسد والروح لله تعالى مقابل رضاه والجنة.
لقد رأوا أمامهم الميزان: منزل مؤقت في الدنيا، أم دار خلود في الآخرة؟ كرامة عابرة تحت رحمة محتل، أم عزة أبدية تحت رحمة الرحمن؟ فاختاروا بفطرة سليمة وإيمان صادق ما ينجي.
ما حدث لهم بعد ذلك، استشهادهم بقصف منزلهم، هو تتويج لاختيارهم النبيل.
إنه نهاية المطاف الدنيوي لرحلة بدأت بالثبات على الحق. هم "كما نحسبهم عند الله" شهداء، وقد قدموا للعالم أجمع درساً في معنى "ربح البيع". لقد خسروا منزلهم وحياتهم الدنيا، لكنهم ربحوا رضا ربهم، وربحوا ذكراً طيباً يتردد، وربحوا أن أصبحوا قدوة لكل من يبحث عن العزة في زمن الذل.
هذا الاختبار الذي تواجهه عائلات غزة هو اختبار حقيقي للإيمان.
إنه محك يكشف حقائق النفوس، وفيه يتمايز المؤمن الصادق عن غيره. والنجاة فيه ليست بالحصانة الوهمية من القتل من أهل الغدر، بل بالثبات على الدين حتى الموت.
{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214].
فليكن في مصير عائلة بكر، رحمهم الله وأسكنهم فسيح جناته، تثبيت لقلوبنا جميعاً:
تثبيت على أن الحق أغلى من الحياة، وأن العزة في الطاعة لا في المعصية، وأن التجارة الرابحة هي مع الله، حتى ولو كان الثمن هو أغلى ما نملك.
اللهم ارحم شهداءنا في غزة، واجعل قتلاهم عندك من السابقين المقربين. اللهم انصرهم نصراً عزيزاً، وانتقم من أعدائهم انتقاماً شديداً. اللهم اجعل ما أصابهم تثبيتا لهم ولمن خلفهم، واجعلها عبرة للمعتبرين.
اكتب مراجعة عامة