img
img

مقال: {وربطنا على قلوبهم}

img
منَصَّة المَرْأَة المُسْلِمَة

مقال: {وربطنا على قلوبهم}

سلسلة: {وذكرهم بأيام الله}


أ.سميحة بنعمر
الأمين العام لشبكة الرواد التخصصية
ومستشارة منصة المرأة المسلمة
وخريجة أكاديمية "تفسير" بالرياض


الكفر من كل حدب وصوب والخطر محدق ولكن ما بالك بفتية قد ربط الله على قلوبهم..

﴿ وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَٰهًا ۖ لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا ﴾[الكهف: 14]

قال الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله: "أي ثبتناها وجعلنا لها رباطا لأن جميع قومهم على ضدهم ومخالفة القوم تحتاج إلى تثبيت لا سيما أنهم شباب، والشباب ربما يؤثر فيه أبوه فيقول له: أكفر، ولكن الله ربط على قلوبهم وثبتهم"


﴿ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغًا ۖ إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾[القصص: 10]

"إن كادت من شدة وجدها وحزنها وأسفها لتظهر أنه ذهب لها ولد، وتخبر بحالها، لولا أن الله ثبتها وصبرها" (ابن كثير)


﴿ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ ﴾[الأنفال: 11]

"وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ أي: يثبتها فإن ثبات القلب، أصل ثبات البدن، وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدَامَ فإن الأرض كانت سهلة دهسة فلما نـزل عليها المطر تلبدت، وثبتت به الأقدام." (السعدي)

وكما أن ربط الأشياء يحمي من التفلت فإن الربط على القلب يحمي من السقوط في الفتن.

ربط على قلبه أي قواه بالسكينة والطمأنينة والصبر وسلمه من التردي في الفتن.

يربط الله على قلب المؤمن بما يودعه فيه من إيمان ويقين وثبات وتبصرا بالحق وتثبيتا عليه.

يربط الله على قلب عبده فتستقرَّ الروحُ، وتطمئنَّ النَّفسُ، وتثبتَ القدَمُ عند المحن مهما عَصَفَتْ رياحُ الفِتَنِ.  

فهذا الربطُ الإلهيُّ حبلٌ من النورِ، يُمسِكُ قلبَ المؤمنِ عند حافةِ الهاويةِ، ويُعيدُه إلى بر الأمانِ.

يفضي عليه سكينةٌ تُغَشِّي الروحَ، وثباتٌ يُلبِسُ الفؤادَ حلة اليقينِ، يحمِيهِ من سهامِ الشكِّ، وزلازلِ الهَوَى.  

خص الله أولياءه من عباده بهذا الفضل:

العاكفون على بابه، الذين أَلْقَوْا بأنفسِهم على عتباتِه، توَّاقينَ إلى رضاه، مُلِحِّينَ في الدعاءِ: 

﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ ﴾ [آل عمران: 8]

الصادقون في الابتلاء، الذين إذا مسَّتهم شِدَّةٌ، صبروا واحتسبوا، فكانت محنتُهم مدرسةً، وآلامُهم جسراً إلى معيّةِ الرحمنِ.

الثابتون على الحق، الذين يَخْضَعون له خضوعَ الجبالِ الراسياتِ، لا تزيحُهم عنه عواصفُ الأهواءِ، ولا تُثنيهم شهواتُ المغرياتِ. 

الخائفون من الزيغ الذين يَرْقُبون قلوبَهم في كلِّ لحظةٍ، يسألون اللهَ الثباتَ كما يسألون الرزقَ: "يا مُقلِّبَ القلوبِ ثبِّتْ قلبي على دينك"

أهلُ التفكر والتدبر الذين جعلوا القرآنَ مصباحَ دربِهم، فأنارَ شغافَ قلوبِهم، فلم يجدَ الظلامُ إليهم سبيلاً. 

إنَّ الربطَ على القلبِ هديةٌ إلهيةٌ لا تُشترى بذهبٍ، ولا تُكتسبُ بجاهٍ، بل هي ثمرةُ صلة وطيدة بالله، فيُكافئُه الله بالطمأنينةِ والثبات عند ورود المحن.

فيا من تخافُ على قلبك من الزلل، وتخشى على يقينِك من الزوال أقبِلْ على مَنْ بين اصبعيه قلوب العباد، واسكبْ بين يديه العبرات..  

فمن أدمن طرق الباب ولج ومن قصد باب مولاه ربط على قلبه  حتى يأتيه الفرج..

تعليقات

الكلمات الدلالية