صحا الخليج-كما العالم- على كارثة من كوارث الدنيا، ولم يستوعب الكثيرون تلك الحادثة ولا أسبابها أو مقدماتها، ففي الثاني من أغسطس سنة 1990، غزا العراق العربي المسلم جاره العربي المسلم!!! وكانت تلك فجيعة دوى صداها العالم برمته، وتأثرت الأمة كثيرا، ولا تزال آثارها باقية وحافرة في الوعي العربي والجسد الإسلامي إلى اليوم.
إبان تلك الحادثة الكارثة كانت دول الخليج في محاولة للتفاهم الدفاعي والأمني والمجتمعي المشترك، ولكن هذا الغزو أصاب الخليج بمقتل، وعجزت كل الإمكانات في تخفيف المعاناة، أو في الحيلولة دون التوغل في الكويت وجنوبها!
عندها أدرك الخليج، أنه ليس في مأمن من أي غزو، أو هجوم، ولكن بقي الحال على ما هو عليه، ولم يلتفت إلى أهمية أخذا الدروس والمواعظ من تلك الحادثة، بل غرق الخليج بما لا يجوز أن يغرق فيه، من ترف العيش، والبعد عن تكوين (عقيدة عسكرية) عامة، وعن أي توجه أمني يحمي الحدود والبلاد والعباد، تأثر الجميع بما يدور في الإقليم وفي غزة وفي الشرق الأوسط!
واليوم، تصدق تلك المقولة، أن ليس أحد في مأمن من مرمى العدو! وأي عدو؟ فالإقليم ملتهب بعد غزة، والصواريخ أصبحت ترى في سماء ساكني الخليج والجزيرة، بل قد دخلت الدار ودمرت وقتلت، كما حدث في قطر من إيران وإسرائيل، وفي السعودية كذلك من قبل الحوثي، ومن احتلال للجزر وغير ذلك، كل ذلك لأن العدو، يرى الخليج برمته لقمة سائغة، لولا الحماية الدولية وبخاصة الأمريكان، ولكن قد يتبدد ذلك في ضرب إسرائيل لقطر! بل قد صرحت إسرائيل على لسان بعضهم (أن لا أحد في مأمن من صواريخ إسرائيل، وأنها يدها ستطال الجميع)!! إذن لا اتفاقيات لا قانون دولي لا هيئة أمم، ومما يجدر ذكره قول البعض تهكما (المتلحف بالأمريكان عريان)، بعد الوعود الأمريكية، بل بعد وجود قاعدة أمريكية في قطر!!!فأي زمان هذا الذي نحيا به، ولا نحاول حتى فهمه، بل نتوغل أحيانا في الغباء، ونزن أننا في مأمن من كل شيء!
إن أحداث اليوم، وكوارث اليوم تحتم على الحكومات الخليجية، النظر الجاد والاعتماد على الذات، وعلى مقدراتها وإمكانياتها، ولكن ذلك لا بد أن تسبقه خطوات، بعيدا عن الاسترخاء وعن الترهل في الواقع المرير الذي نعيشه، وكما قيل رب ضارة نافعة، وقد تحيي المصائب الموتى، وتعالج المرضى إن فقهوا وفهموا واقعهم.
على المستوى الحكومي الرسمي:
ينغي اليوم أن تنظر حكوماتنا إلى جدية المرحلة، وإلى أهمية الالتفاف حول الذات، وإلى التعاون الجاد البناء، والاستفادة من القوى الفاعلة في الدولة، وبناء قوة ردع تتمكن من التدخل السريع، وردع أي عدوان جويا كان أو بريا، والتفاهم مع الجيران، ككتلة موحدة، قوية تفرض قوتها على الأرض، وتدفع نحو تفاهم جاد لكل القوى المتربصة.
على المستوى العلاقات الدولية:
لابد من فتح تفاهمات أخرى، والذهاب إلى التعاون مع الدول الإسلامية أولا، مثل تركيا وغيرها، وفتح القنوات الجادة مع الصين مثلا، دون التأثر بأي مؤثر خارجي، ومحاولة التفاهم مع العراق حاليا، واليمن، كقوى مجاورة قد تنفجر في أي لحظة، وتؤثر على الداخل الخليجي، وأن يتحرك الخليج كوحدة واحدة تتفق في رأيها وتتعاون في البناء الداخلي والخارجي، لا أن تغرد كل دولة بسمائها.
على المستوى المجتمعي:
على المستوى المجتمعي، ينبغي التصالح مع الشعوب، والاستفادة من طاقاتها في بناء الوعي بالمرحلة، والافراج عن سجناء الرأي، وبخاصة الذين يمكن الاستفادة منهم في هذا المجال، وتحريكهم لبناء مجتمع متماسك قوي فعال، فهؤلاء بإمكانهم -إن فسح لهم المجال- بناء عقيدة عسكرية واعية للمجتمع الخليجي، وبناء الصرح الديني الواقي، فلم يعد المطبلون والمادحون والمبطلون، ينفعون، بل لابد من سماع الرأي الآخر، الاستفادة من أي جهد بشري يعين على تخطي السفينة بحر الغرق!
الواجب فتح أبواب النقد، وأبواب البناء، وعدم كتم من ينصح ويدل على خير، ومن ذلك وجب الاستفادة من المساجد ومن التثقيف الدين، ومن الاستفادة من الإعلام في التوجيه الديني الصحيح، من قبل العلماء الناصحين الواعين، ألا هل بلغت اللهم فاشهد!
اكتب مراجعة عامة