img
img

مقال بين الطوبى والويل: مسؤولية الكلمة في زمن الإعلام الرقمي

img
منصة ساند الإعلامية

مقال بين الطوبى والويل: مسؤولية الكلمة في زمن الإعلام الرقمي

بين الطوبى والويل: مسؤولية الكلمة في زمن الإعلام الرقمي

الكلمة… أداة للتأثير وصناعة الصورة:

في زمن السرعة الرقمية، لم تعد الكلمة مجرّد تعبير شخصي، بل تحوّلت إلى أداة إعلامية قوية تؤثر في اتجاهات الرأي العام، وتصنع صورة ذهنية قد تقود إلى التهدئة أو التفجير، إلى البناء أو الهدم. وما تنشره وسائل الإعلام التقليدية أو الرقمية اليوم لا يقف عند حدود الخبر، بل يتعداه إلى صناعة انطباعات وتوجيه سلوكيات.

النص النبوي… عدسة لفهم المشهد الإعلامي:

النبي صلى الله عليه وسلم قدّم توصيفًا بالغ الدقة لوظيفة "المؤثر" قبل أن يظهر مصطلح الإعلام الحديث، فقال: « «إِنّ مِن الناس مفاتيح للخير، مَغَالِيقَ للشَّرِّ، وإِنَّ من الناس مَفَاتِيحَ للشَّرِّ، مَغَالِيْق للخير، فطوبى لمن جَعَلَ اللهُ مفاتيح الخير على يديه، وويل لمن جَعَلَ اللهُ مفاتيح الشَّر على يديه». رواه ابن ماجة (1)
هذه الثنائية (الطوبى/الويل) يمكن النظر إليها اليوم كإطار مرجعي لأخلاقيات الإعلام: فالكلمة الصحفية أو التغريدة أو التعليق ليست محايدة، بل إمّا أن تسهم في التنوير وإما أن تغذي التضليل.

الإعلام… بين التنوير والتضليل:

في عالم الإعلام الرقمي، يمكن لخبر كاذب أو شائعة مجهولة المصدر أن تنتشر خلال دقائق، بينما يحتاج تصحيحها إلى أيام وربما لا يحقق نفس الأثر. وقد أظهرت دراسات إعلامية حديثة أن الأخبار المضللة تنتشر على شبكات التواصل أسرع من الأخبار الصحيحة بثلاثة أضعاف. وهذا يجعل "مسؤولية الكلمة" في الإعلام أكبر من أي وقت مضى.

المؤثرون كروّاد جدد:

المؤثر في وسائل التواصل أشبه برائد القبيلة قديمًا الذي "لا يكذب أهله". فالقبيلة كانت تعتمد عليه في اختيار طريقها نحو الماء والكلأ، والمجتمع الرقمي اليوم يعتمد على المؤثرين في توجيه اهتماماته ووعيه. والخطورة أن المؤثر قد يكون على نهج مصعب بن عمير (مفتاح خير بالكلمة الطيبة)، أو على نهج الوليد بن المغيرة (مفتاح شر بالتزييف والخداع.

أخلاقيات الإعلام ومسؤولية الكلمة:

حتى لا تتحول الكلمة إلى أداة هدم، هناك ضوابط إعلامية وأخلاقية يجب أن تظل حاضرة:

  • التحقق من المصدر قبل النشر.
  • الموضوعية في تغطية الأحداث دون تضليل أو تحيز متعمد.
  • تقدير الأثر الاجتماعي للكلمة أو المقطع، وعدم السعي وراء الإثارة على حساب الاستقرار.
  • المسؤولية الإنسانية: فالإعلامي أو المؤثر لا يخاطب شاشة، بل يخاطب عقولًا وقلوبًا.

الخاتمة

ما بين الطوبى والويل مساحة إعلامية واسعة يتحرك فيها الصحفيون والمؤثرون يوميًا. الكلمة التي تُكتب في عجلة قد تُشعل فتنة، والكلمة التي تُقال بوعي قد تُطفئ نارًا وتبني وعيًا.
وفي النهاية، يظل الإعلامي والمؤثر أمام خيار دائم: هل تكون كلماته مفاتيح خير تصنع طوبى، أم مفاتيح شر تجلب الويل؟

المراجع

(1)     رواه ابن ماجه، برقم: (237)، من حديث أنس -رضي الله عنه-.

تعليقات