يشهد المشهد الليبي تحولًا في الأدوار بين حليفين تقليديين، تركيا وقطر، حيث يتبين أن لكل منهما أهدافًا استراتيجية مختلفة، مما يضع العلاقة بينهما على المحك.
تحولات السياسة التركية في ليبيا
في الأشهر الأخيرة، اتخذت تركيا نهجًا جديدًا ومثيرًا للدهشة بالتقارب مع حكومة بنغازي. تمثلت هذه الخطوات في:
* تعزيز الوجود العسكري: زيارة السفينة الحربية التركية "كينالي آدا" لميناء بنغازي، ولقاء رئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن بالمشير خليفة حفتر وابنه صدام.
* التعاون الاقتصادي: تسعى تركيا لفتح الباب أمام شركاتها للتنقيب عن النفط والغاز في المنطقة الممتدة بين كريت وليبيا، وهو ما يعكس سعيًا خالصًا لتحقيق مصالح اقتصادية.
* التعاون العسكري: تم شراء طائرات مسيرة تركية وتدريب جنود الجيش الوطني الليبي في تركيا.
تهدف هذه التحركات إلى توسيع النفوذ البحري التركي في البحر المتوسط ومواجهة السيطرة اليونانية والقبرصية، وتشير إلى أن أنقرة تتبنى سياسة براغماتية بحتة لا تعتمد على حليف واحد.
الدور القطري المعقد
على النقيض من ذلك، تجد قطر نفسها في وضع أكثر تعقيدًا. فبينما تستمر في دعم حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، فإنها تنظر بعين الريبة للقوى المسلحة في طرابلس، مما يخلق حالة من التناقض.
تعتمد استراتيجية قطر على:
* القوة الناعمة: استخدام الدبلوماسية، والدعم المالي، والمساعدات اللوجستية لتحقيق أهدافها، مع تجنب التدخل العسكري المباشر.
* دعم الشرعية الدولية: المراهنة على دعم حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها دوليًا.
* مواجهة النفوذ الإقليمي: تسعى لمواجهة النفوذ الإماراتي والمصري في شرق ليبيا عبر دعم منافسيه.
* تأمين مصالح الحلفاء: ضمان تمثيل حلفائها في الحكومة الجديدة، وخاصة في المناصب الوزارية الرئيسية، ومقاومة أي تغييرات قد تؤدي إلى تقارب بين بنغازي وطرابلس.
إن اعتماد قطر على الفرص وعدم وضوح رؤيتها، في ظل الظروف الدولية المعقدة، قد يؤدي إلى فقدانها العديد من أوراق القوة في ليبيا.
تناقض المصالح وتأثيره على المستقبل
على الرغم من أن تركيا وقطر تشتركان في بعض الأهداف، مثل مواجهة النفوذ الإماراتي والمصري، إلا أن هناك تنافسًا واضحًا على النفوذ. تسعى تركيا لتوسيع نفوذها ليشمل كل التراب الليبي، بينما تركز قطر على الحفاظ على نفوذها في طرابلس. هذا التناقض يؤثر بشكل مباشر على العملية السياسية، حيث:
* تركيا تدعم تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم جميع الأطراف.
* قطر تقاتل لضمان هيمنة حلفائها على الحكومة الجديدة.
هذا التنافس يزيد من تعقيد المشهد السياسي ويجعل من الصعب التنبؤ بمسار الأزمة الليبية. وقد يؤدي الصراع بين الحليفين إلى خسارتهما معًا، ولذلك، يجب عليهما اختيار إحدى الاستراتيجيات التالية:
* التعاون الاستراتيجي: تنسيق الجهود لضمان تشكيل حكومة مستقرة تخدم المصالح المشتركة وتوزيع النفوذ بشكل متفق عليه.
* التنافس المحدود: تجنب الصدام المباشر والبحث عن حلول وسط.
* المواجهة المفتوحة: وهو السيناريو الذي قد يؤثر سلبًا على الاستقرار في ليبيا ويزيد من تعقيد الأزمة، وقد يفقد كل من قطر وتركيا دورهما الريادي.
في النهاية، يبدو أن تأثير كل من تركيا وقطر على اختيار رئيس الحكومة وأعضائها هو جزء من لعبة مصالح دولية، وليس لخدمة مصلحة ليبيا. هذا التنافس، الذي يتراوح بين التعاون المعلن والمواجهة الخفية، يزيد من صعوبة التنبؤ بمستقبل البلاد.
اكتب مراجعة عامة