تحت شعارات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الجوفاء المعتادة ("النصر الشامل")، بدأ الهدف الحقيقي لأفظع حرب في تاريخنا يتضح: العقارات.
قُتل مئات الجنود وعشرات الآلاف من المدنيين في غزة من أجل بناء مساكن لضباط الشرطة، وفقًا لخطة وزير الأمن القومي الضيقة الأفق إيتامار بن غفير، أو لتحويل قطاع غزة بأكمله إلى "كنز عقاري"، وفقًا لخطة وزير المالية بتسلئيل سموتريتش الأوسع نطاقًا.
يوم الثلاثاء، كشف سموتريتش عن المصالح الخفية وراء هذه العمليات: "عربات جدعون" أ، ثم ب، وربما لاحقًا ج، هي أسماء رمزية عسكرية لتجهيز المنطقة لـ"طفرة عقارية"..
وقال إن المفاوضات مع الحكومة الأمريكية جارية بالفعل.
(ترجمة الهدهد)
بسم الله الرحمن الرحيم
تُشكل افتتاحية صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية اعترافاً صارخاً بحقيقة مؤلمة طالما حاولت الآلة الإعلامية الصهيونية إخفاءها خلف شعارات "الأمن" و"الدفاع عن النفس". فما كشفه وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش حول تحويل غزة إلى "كنز عقاري" يُظهر بوضوح تام أن ما يجري ليس صراعاً أمنياً، بل مشروعاً استعمارياً استثمارياً بأبعاد عقائدية وجيوسياسية عميقة.
إن ما يُطلق عليه "عربات جدعون" ليس مجرد اسم عسكري عشوائي، بل إشارة مباشرة إلى النصوص التوراتية التي يستخدمها التيار الصهيوني المتطرف لتبرير مشروعه التوسعي. جدعون في التراث التوراتي هو القائد الذي "طهّر" الأرض من "الأعداء"، وهذا التوظيف الرمزي يكشف عن البعد العقائدي العميق لما يُسمى زوراً بـ"الدفاع عن النفس".
هذه الأسماء الرمزية تُظهر كيف يتم توظيف النصوص المقدسة المحرّفة لخدمة مشروع سياسي واقتصادي استعماري، حيث تتحول الأرض المقدسة إلى "كنز عقاري" يُقسم بين المستثمرين والمستوطنين تحت غطاء ديني مزيف.
إن ما يجري في فلسطين اليوم يُمثل نموذجاً صارخاً لالتقاء المصالح الاستراتيجية الأمريكية مع الأجندة الصهيونية، حيث تتقاطع عدة مستويات من المصالح:
المستوى الاقتصادي: تُشكل عمليات إعادة الإعمار والاستثمار العقاري فرصة ذهبية للشركات الأمريكية الكبرى والمقاولين الإسرائيليين. فما يُدمر اليوم بالقنابل الأمريكية سيُعاد بناؤه غداً بالرساميل الأمريكية، في دورة مربحة لا تنتهي من الهدم والبناء على حساب دماء الأبرياء.
المستوى الجيوستراتيجي: تخدم السيطرة على غزة وتحويلها إلى منطقة نفوذ كاملة المصالح الأمريكية في السيطرة على طرق التجارة في شرق المتوسط وتأمين خطوط إمداد الطاقة من حقول الغاز المكتشفة قبالة الساحل الفلسطيني.
المستوى العقائدي: يلتقي التطرف الصهيوني مع التيارات الإنجيلية المتطرفة في أمريكا حول رؤية مشتركة لـ"المعركة الأخيرة" و"عودة المسيح"، مما يخلق تحالفاً عقائدياً يتجاوز المصالح السياسية التقليدية.
لقد سقطت أقنعة "الأمن" و"محاربة الإرهاب" و"الدفاع عن النفس" أمام اعترافات صريحة بأن الهدف هو تحويل الأرض المقدسة إلى سوق عقاري مفتوح. هذا الاعتراف يُؤكد ما ظل المسلمون والأحرار في العالم يقولونه: إن ما يجري هو مشروع استعماري استيطاني بغطاء ديني مزيف وحماية دولية منحازة.
إن استخدام مصطلح "كنز غزة" يختزل الأرض المباركة وأهلها إلى مجرد أصول مالية قابلة للاستثمار، في تجرد تام من أي اعتبار إنساني أو أخلاقي أو ديني حقيقي.
أمام هذا الكشف الصارخ للحقائق، يُصبح الموقف الإسلامي والعربي أكثر وضوحاً ووجوباً:
إن ما يجري ليس صراعاً سياسياً محدوداً، بل حرب وجود حضارية ضد الأمة الإسلامية وقيمها ومقدساتها. إن تحويل الأرض المباركة إلى "كنز عقاري" يُمثل امتهاناً مباشراً لقدسية هذه الأرض في قلوب أكثر من مليار ونصف مسلم.
إن الدماء التي تُراق اليوم في فلسطين ليست مجرد أرقام في تقارير إعلامية، بل دماء شهداء يُذبحون على مذبح المضاربات العقارية والمشاريع الاستثمارية. هذا الواقع المؤلم يستدعي يقظة إسلامية شاملة ومقاومة حضارية متعددة الأوجه.
إن كشف هذه الحقائق يُحتم على الأمة الإسلامية تطوير استراتيجية مواجهة شاملة تتضمن:
- التمسك بحق الأمة الإسلامية والشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال بكل الوسائل الشرعية ودعمها ، والتأكيد على أن دماء الشهداء لن تذهب هدرا.
- البعد السياسي: فضح هذه المخططات في المحافل الدولية وكسر الحصار الإعلامي المفروض على الحقيقة.
- البعد الاقتصادي: تطوير آليات المقاطعة الاقتصادية الفعالة لكل من يشارك في هذا المشروع الاستعماري.
- البعد الحضاري: تعزيز الهوية الإسلامية والوعي بقدسية فلسطين في قلب كل مسلم.
- البعد القانوني: ملاحقة مرتكبي هذه الجرائم وفضحهم .
إن اعترافهم بحقيقة مخططاته يُشكل نقطة تحول مهمة في الصراع. فلم تعد هناك حاجة لتأويل النوايا أو تفسير الأهداف، بل أصبحت الحقيقة عارية أمام العالم: إنها حرب إبادة واستعمار واستثمار في دماء الأبرياء.
إن هذا الكشف، مع ما يحمله من ألم، يحمل أيضاً بذور الأمل. فعندما يسقط القناع، تبدأ المعركة الحقيقية من أجل الحق والعدل والكرامة الإنسانية.
إن فلسطين اليوم ليست قضية فلسطينية فحسب، بل قضية كل مسلم وكل حر في العالم. وإن النصر قادم بإذن الله، مهما طال الليل ومهما اشتدت الظلمة.
﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾
والله المستعان وعليه التكلان.
اكتب مراجعة عامة