مقال : القيادة المتزنة: فلسفة التوازن بين صلابة القيم ومرونة الوسائل في ظل التحولات السريعة |
بقلم الدكتور ياسر قطب
المقدمة
في
زمن تتسارع فيه المتغيرات، وتتشكل فيه التحديات على أكثر من صعيد، أصبح من الضروري
إعادة التفكير في أنماط القيادة وأساليب التوجيه داخل المؤسسات. لم يعد القائد هو
ذلك الشخص الصارم المتشبث بقراراته، ولا هو الشخص المفرط في التنازلات لإرضاء
الجميع، بل باتت الحاجة ماسّة إلى نمط جديد من القيادة: القيادة
المتزنة.
هذا
النموذج القيادي لا يُقاس بقدرته على فرض السلطة، بل بقدرته على تحقيق التوازن بين
المبادئ الثابتة والمرونة الواعية في الأساليب، بما يحقق أهداف المؤسسة ويحترم
القيم الإنسانية والمهنية.
أولًا:
تعريف القيادة المتزنة
القيادة
المتزنة هي نمط قيادي يجمع بين رسوخ القيم والقدرة على التكيف، حيث يتعامل
القائد مع المواقف المختلفة بروح مرنة دون أن يساوم على المبادئ الأساسية التي
تحكم سلوكه ومواقفه.
إنها
قيادة واعية تدرك أن الثبات على القيم لا يعني الجمود، وأن التكيف مع الواقع لا
يعني التخلي عن الهوية.
ثانيًا:
الصلابة في القيم: الأساس الأخلاقي لأي قائد
القيم
هي البوصلة التي توجه قرارات القائد، وتُحدد الإطار العام لسلوك المؤسسة.
في القيادة المتزنة، تمثل القيم عنصرًا غير قابل للمساومة،
مثل:
من
دون هذه القيم، تصبح القيادة ارتجالية، لا تستند إلى قاعدة أخلاقية واضحة. لكن
الصلابة هنا لا تعني الجمود، بل تعني الالتزام الواعي الوافر بالتطبيق العملي
النزيه.
ثالثًا:
الليونة في الوسائل: مهارة التكيف دون تفريط
الليونة
في الوسائل تعني أن القائد لا يتقيد بأسلوب واحد في القيادة، أو بخطة واحدة
جامدة، بل يغيّر الوسائل بحسب المعطيات والمواقف، طالما أن الهدف والمبدأ ثابت.
هذه
الليونة لا تُفهم على أنها ضعف، بل هي انعكاس:
مثال
تطبيقي:
قد يختار القائد أسلوب التحفيز المعنوي لفريق معين، وأساليب
رقابية لفريق آخر، دون أن يتخلى عن قيم العدل والمساواة.
رابعًا:
لماذا تحتاج المؤسسات إلى القيادة المتزنة؟
في
عالم العمل الحديث، تواجه المؤسسات بيئة متقلبة
VUCA :) Volatility, Uncertainty, Complexity,
Ambiguity) ،
،
مما يجعل القيادة المتزنة ضرورة لا ترفًا، لأنها:
1.
تعزز المرونة
التنظيمية في مواجهة الأزمات.
2.
تحفظ توازن
القوى الداخلية بين الفرق، وتمنع الانقسامات.
3.
تحفّز على
الابتكار مع الحفاظ على المعايير.
4.
تبني بيئة عمل
قائمة على الثقة والاحترام المتبادل.
خامسًا:
القيادة المتزنة من منظور نفسي
من
زاوية علم النفس، تُعد القيادة المتزنة شكلاً من أشكال الذكاء العاطفي القيادي،
حيث يجمع القائد بين:
هذا
النمط يعزز الصحة النفسية للفرق، ويقلل من التوتر، ويزيد من الولاء المؤسسي، ويحقق
استقرارًا نفسيًا واجتماعيًا داخل بيئة العمل.
سادسًا:
أدوات القائد المتزن
الخاتمة
:
إن
القيادة المتزنة ليست مجرد مهارة مكتسبة، بل هي فلسفة شاملة تتطلب
وعيًا عميقًا، ونضجًا داخليًا، وقدرة على التمييز بين ما يمكن تغييره وما يجب
التمسك به.
في
عالم تتغير فيه الأدوات باستمرار، تظل القيم النبيلة هي الأساس الذي لا يسقط، وتظل
القيادة المتزنة هي النمط القيادي القادر على توجيه المؤسسات نحو النجاح بكفاءة،
إنسانية، وتوازن.
اكتب مراجعة عامة