img
img

تحليل لعلاقة السياسة الشرعية بسورة العصر

img
الشبكة

تحليل لعلاقة السياسة الشرعية بسورة العصر

 أ.د عصام اشويدر 

دكتوراه في العلوم السياسية 

رئيس شبكة الرواد الإلكترونية ورئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان 


 توجيه إلهي للحكم العادل والمجتمع المتكامل


بسم الله الرحمن الرحيم  

الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى اله وصحبه ومن والاه


 مقدمة: سورة العصر — كنزٌ في جوف آياتها

سورة العصر — وهي من أقصر السور في القرآن الكريم — ليست مجرد تذكير عابر، بل هي نظام متكامل للحضارة الإنسانية، وميثاق سياسي-أخلاقي يُبنى عليه أي مجتمع يسعى للعدل والإحسان. ففي ثلاث آيات فقط، اختصر الله تعالى كل ما يحتاجه الإنسان ليكون حاكماً أو محكوماً، قائدًا أو مُتابِعاً، دولةً أو أمةً:

 "وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ"   (سورة العصر: 1–3)

والإمام الشافعي رحمه الله قال:  "لو لم ينزل من القرآن إلا سورة العصر لكفتهم"  أو كما روي عنه: "لو تدبر الناس هذه السورة لكفتهم"  

وهذا القول ليس مبالغة أدبية، بل هو تشخيص دقيق لجوهر السياسة الشرعية، لأنه لا يمكن أن تُبنى دولة عادلة، ولا نظام حكم مستقر، ولا مجتمع مزدهر، دون أن يكون أساسه: الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر.

السياسة الشرعية، في جوهرها، هي: "تدبير شؤون الرعية بما يحقق مصالحهم في الدنيا والآخرة، وفق أصول الشريعة ومقاصدها الكلية". وهي لا تقتصر على الحكم فحسب، بل تشمل كل ما من شأنه إصلاح المجتمع والحفاظ على كيانه وقيمه.


 أولاً: تحليل مفاهيم السورة وأبعادها السياسية الشرعية

 1. "العصر" — زمن الحساب والمسؤولية التاريخية

القسم بالعصر ليس تزيناً بل هو استدعاء للوعي التاريخي. العصر هنا:  

- زمن الأحداث والتغيير، فالسياسة الشرعية لا تعني الحكم بقوة السيف أو التسلط بالمال، بل هي إدارة الزمن بحكمة، وتحويل العصر من فوضى إلى نظم، ومن خسران إلى ربح

- فترة المحاسبة: يشير إلى الزمن باعتباره ميدان الحساب والتقييم، فالحاكم والمجتمع مسؤولون أمام الله ثم أمام التاريخ عن أعمالهم

- المرحلة التي يُحاسب فيها الإنسان على ما فعل


الدلالات السياسية:

- إدراك قيمة الزمن: الحاكم المسلم مطالب بإدراك قيمة الوقت وعدم إضاعته في قرارات عقيمة

- التخطيط الاستراتيجي: السياسة الشرعية تتطلب رؤية زمنية ممتدة وتخطيطاً بعيد المدى  

- المحاسبة التاريخية: كل فترة حكم لها حسابها وتقييمها أمام الأمة والتاريخ

 فالحاكم الذي لا يرى نفسه مسؤولاً أمام العصر — أي أمام التاريخ والحساب — فهو حاكم خاسر، ولو كان ملك الدنيا.


 2. "إن الإنسان لفي خسر" — التشخيص السياسي العام

هذه الآية تشخيصٌ جامع لحال البشرية بلا هدى وتضع قاعدة أساسية في السياسة الشرعية:  

- كل من يعيش بلا إيمان، أو يعمل بلا صلاح، أو يحكم بغير ما شرعه الله من حق، أو يُدار المجتمع بدون صبر — فهو في خسران

- هذا يشمل: الحكام الذين يستبدون، النخب التي تبيع الأوطان لأجل منصب، الجماهير التي تتبع الهوى دون تمييز، المؤسسات التي تغفل عن العدل


التطبيقات السياسية:

- الأصل في السلطة المسؤولية: كل من يتولى أمراً عاماً فهو في خسران إلا إذا حقق الشروط اللاحقة

- عدم الركون للسلطة: السلطة ليست مكسباً في ذاتها بل تكليف وامتحان

- ضرورة الإصلاح المستمر: الواقع يتجه للفساد إلا بتدخل إيجابي مستمر


فـالخسران السياسي يشمل: عدم تحكيم شرع الله ، انهيار الثقة بين الحاكم والمحكوم، انتشار الفساد باسم القانون، تحلل القيم تحت شعارات الديمقراطية الزائفة أو الاستقرار القمعي. فكل نظام لا يبني جذوره على الإيمان والصلاح، فهو نظام مُعدّ للسقوط، حتى لو بدا قوياً.


3. "إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات" — العمود الفقري للدولة الشرعية

هنا يبدأ الحل، حيث {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا} يضع الإيمان كأساس للسياسة الشرعية:  

الإيمان: ليس مجرد اعتقاد قلبي، بل أساس الشرعية السياسية. 

" أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا" [ النساء: 60]

" فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا" [ سورة النساء: 65]

"إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم"  [الأنفال: 2] — وهذا الوَجَل هو أساس الخضوع للقانون الإلهي، لا للطاغوت. 


العمل الصالح: هو السلوك السياسي العملي. السياسة ليست شعارات وخطبًا، بل هي برامج عملية وإنجازات ملموسة تصلح حال الناس:

  - إقامة الدين 

  - العدل في الحكم وتطبيق الشريعة  

  - توزيع الثروة العادل وتحقيق العدالة الاجتماعية

  - حماية الحقوق وبناء التعليم ونشر الأمن

  - التنمية الشاملة: بناء المدارس والمستشفيات وتطوير البنية التحتية  

فالحاكم الصالح ليس من يقرأ القرآن فقط، بل من يطبقه في إدارة الخراج، وتعيين القضاة، ورد المظالم.  

 قال ابن تيمية: "العدل من أعظم ما أمر به الله، وهو أصل الدين، وعماد الدولة."


4. "وتواصوا بالحق" — آلية التوازن السياسي والرقابة المجتمعية

هذا هو قلب السياسة الشرعية! يؤسس لمبادئ سياسية جوهرية حيث:  

- "التواصي" ضد التلقين، بل التفاعل المستمر بين الحاكم والمحكوم  

- "بالحق" ضد بالرأي، بل بالحقيقة الإلهية، وبالشريعة، وبالعدل  


الآليات السياسية التي يخلقها:

- مؤسسة الرقابة الشعبية المشروعة (النهي عن المنكر)

-الشورى كآلية اتخاذ قرار (فلا حكم بدون مشورة)

- الصحافة الإسلامية، والفقه السياسي، والدعوة بالحكمة

- المحاسبة الدورية للحكام، كما قال النبي ﷺ: "وإنَّما الإمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِن ورَائِهِ ويُتَّقَى به، فإنْ أمَرَ بتَقْوَى اللَّهِ وعَدَلَ، فإنَّ له بذلكَ أجْرًا وإنْ قالَ بغَيْرِهِ فإنَّ عليه منه." (متفق عليه)


التطبيقات المعاصرة:

- حرية التعبير المسؤولة: حق الأمة في النصح والتوجيه والنقد البناء

- المحاسبة المجتمعية: حق الأمة في محاسبة الحكام ومراقبة أدائهم  

- الشفافية: وضوح الحق وعدم كتمانه، والإعلان عن السياسات والقرارات

- المؤسسات الرقابية: إنشاء مؤسسات مجتمع مدني تقوم بدور التواصي بالحق

فـالتواصي بالحق ليس ديمقراطية ، تُبنى على الأصوات فقط، بل على أمر يبنى على التمسك بالحق الإلهي، وهو ما يمنع استبداد الأغلبية أو استعباد الأقلية.


 5. "وتواصوا بالصبر" — ضمان استمرارية الدولة والمجتمع

{وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} يضمن استدامة النظام السياسي. الصبر هنا ليس سلباً، بل هو:  

- صبر الحاكم على تعب الحكم وأعباء المسؤولية

- صبر الشعب على  الحاكم المطبق لشرع الله ويسعى إلى النهوض بالدولة إقتصاديا واجتماعيا وغير ذلك (حتى لا يُفضي إلى فوضى)  

- صبر العلماء على كلمة حق و تضييق السلطة

- صبر المجاهدين على المحن والابتلاءات


هذا هو الصبر السياسي: الثبات على الحق رغم الصعوبات.


أبعاد الصبر السياسي:

- الثبات على المبادئ: عدم التنازل عن الثوابت تحت الضغوط الداخلية أو الخارجية

- الصبر على الإصلاح: التغيير الإيجابي يحتاج صبراً ومثابرة وتدرجاً

- تحمل المسؤولية: الصبر على أعباء الحكم وتحدياته دون يأس أو تراجع

- الاستقرار السياسي: منع الانقلابات والفوضى والتغيير بالقوة الغير المدروس

الصبر يمنع الانقلابات، ويحفظ الاستقرار، ويمنح الوقت للإصلاح.  

فـالدولة التي لا تملك صبراً لا تملك مستقبلاً.


 ثانياً: لماذا قال الشافعي: "لو تدبر الناس هذه السورة لكفتهم"؟

لأن هذه السورة تشتمل على أصول الدين والدنيا:

الإيمان يحقق شرعية الحكم من مصدره الإلهي، وليس من الانتخاب أو القوة فقط. أما العمل الصالح فيترجم هذا الإيمان إلى سياسات عامة قائمة على العدل والرحمة والإنصاف. والتواصي بالحق يؤسس لمؤسسات رقابية وحرية التعبير ومحاسبة المسؤولين. بينما التواصي بالصبر يضمن الاستقرار وعدم الانقلاب على النظام بسبب خلافات عابرة.  

لماذا "تكفيهم"؟

السورة "تكفي" لأنها:

- شاملة: تناولت أصول الدين (الإيمان)، والفقه (عمل الصالحات)، والأخلاق (التواصي)، والتربية (الصبر)

- متوازنة: جمعت بين حق الله (الإيمان والعمل) وحق العباد (التواصي)، وبين الجهد الفردي والمسؤولية الجماعية

- عملية: لم تبق في دائرة التنظير، بل دعت إلى فعل وإلى تواصٍ مستمر


إذن، كل ما تحتاجه دولة إسلامية حقيقية موجود في هذه السورة:  

- لا تحتاج لدستور مكتوب طويلاً، إنما لتطبيق هذه المبادئ  

- لا تحتاج لحزب سياسي، إنما لجماعة تُوصي بالحق وتتحلى بالصبر  

- لا تحتاج مخابرات تخنق المعارضة، إنما لقضاء عادل يُعيد الحقوق  


فـالسياسة الشرعية ليست نظاماً ميكانيكياً، بل ثقافة وجودية تُبنى على هذه الأركان الأربعة.


 ثالثاً: تطبيق تاريخي — كيف نفذ المسلمون هذه السورة؟

بعض الصور

 عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه:

- عمل صالح: أعاد الخراج، وأقام العدل، ووقف على بيت المال كأمين وليس كمالك  

- تواصى بالحق: أرسل أبو بكر رسائله: "أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم"  

- تواصى بالصبر: صبر على حروب الردة، ورفض التنازل عن مبدأ الإسلام، نفذ بعث أسامة بن زيد إلى الروم، رغم الضغوط


عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

- كان يمشي ليلًا في المدينة، يسمع شكوى الأرملة، ويسأل عن جائع  

- قال: "لو عثرت حمار بعلبكك ببلاد الشام، لخشيت أن يسألني الله: يا عمر، لماذا لم تصلح طريقه؟"

- هذا هو "العمل الصالح" في أرقى صوره — طبق العدالة الاجتماعية وراقب الولاة بنفسه

- قال يوما في مجلس، وحوله المهاجرون والأنصار: أرأيتم لو ترخصت في بعض الأمر، ما كنتم فاعلين؟ فسكتوا، فعاد مرتين، أو ثلاثا، قال بشير بن سعد: لو فعلت قومناك تقويم القدح، قال عمر: أنتم إذن أنتم. 

- أسس نظاماً للرقابة والمحاسبة المستمرة — هذا هو تطبيق "سورة العصر" على أرض الواقع


عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه : 

 كان دائم التواصي بالحق الصبر وذلك بالنصح لولاته بأن يكونوا رعاة للأمة وليسوا سادة عليها، وكان يأمرهم بالعدل والرحمة وإعطاء الحقوق لأهلها، ومطالبتهم بما عليهم من واجبات، وأوصاهم بالذمة وقيادة الجيوش، والشورى والتشاور وأمرهم باتباع منهج أبي بكر وعمر، والعمل على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والابتعاد عن البدع، فضلا عن الاهتمام باللغة العربية، والمحافظة على القرآن وقراءته.


عهد علي بن ابي طالب رضي الله عنه 

تميز بالتحديات السياسية والاجتماعية الكبرى مثل الفتن الداخلية والانقسامات الحادة بين المسلمين لكن دفع ذلك بالإيمان والعمل والصبر والمصابرة ،  فعلى الرغم من هذه الصعوبات، فإن أهميته تكمن في تجسيده لمبادئ العدالة والإنصاف، وجهوده في توحيد المسلمين، والوصاية على مال المسلمين، وتطوير المجتمع الإسلامي من خلال أعمال عدة منها وضع أساس علم النحو


قصة في إمارة معاوية رضي الله عنه 

عن أبي قبيل قال: خطبنا معاوية في يوم جمعة فقال: إنما المال مالنا والفيء فيئنا، من شئنا أعطينا, ومن شئنا منعنا، فلم يرد عليه أحد، فلما كانت الجمعة الثانية قال مثل مقالته، فلم يرد عليه أحد، فلما كانت الجمعة الثالثة قال مثل مقالته، فقام إليه رجل ممن شهد المسجد فقال: كلا, بل المال مالنا والفيء فيئنا، من حال بيننا وبينه حاكمناه بأسيافنا، فلما صلى أمر بالرجل فأدخل عليه، فأجلسه معه على السرير، ثم أذن للناس فدخلوا عليه، ثم قال: أيها الناس, إني تكلمت في أول جمعة فلم يرد علي أحد، وفي الثانية فلم يرد علي أحد، فلما كانت الثالثة أحياني هذا أحياه الله، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سيأتي قوم يتكلمون, فلا يرد عليهم، يتقاحمون في النار تقاحم القردة ـ فخشيت أن يجعلني الله منهم، فلما رد هذا علي أحياني, أحياه الله، ورجوت أن لا يجعلني الله منهم.


الخلافة العباسية المبكرة:

في عهد المهدي والرشيد، كانت المجالس تُعقد، والعلماء ينتقدون، والفقهاء يكتبون الكتب السياسية مثل "الأحكام السلطانية" للماوردي، و"الاقتصاد في الاعتقاد" للغزالي — كلها تستمد من سورة العصر.


رابعاً: التحدي المعاصر — لماذا فشلت الأنظمة الحديثة في بلاد المسلمين؟

من أسباب الفشل:


الأنظمة المعاصرة فشلت لأنها:  

- أخلت بالإيمان:  بدلت الشريعة وغيبتها عن الحكم، و حوّلت الدين إلى شعار انتخابي، أو رمزية ثقافية دون تطبيق عملي وحصرته في المساجد مع التضييق على الأئمة 

- أهملت العمل الصالح: فأنشأت أجهزة أمنية ضخمة، لكنها لم تُنشئ مدارس حقيقية ، ولا مستشفيات، ولا عدالة حقيقية ..

- أهدرت التواصي بالحق: فسكت العلماء، أو قُتلوا، أو اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً — إسكات العلماء والمعارضة والصحافة الحرة ، ونطق السفهاء في كل مكان وعلى كل وسيلة كانت إعلامية أو برلمانية أو تعليمية ...

- فقدت الصبر: حيث لا يوجد عمل صالح ولا تواصي بالحق لا يوجد التواصي بالصبر .


 المتطلبات المعاصرة للتطبيق

على مستوى القيادة:

- الرؤية الشمولية: النظر للحكم كمنظومة متكاملة من القيم والممارسات

- المسؤولية الأخلاقية: ربط السياسة بالقيم والمبادئ الربانية خلاصتها تطبيق الشريعة

- التطوير المستمر: عدم الركود أو الاكتفاء بالإنجازات والتبعية للغرب 


على مستوى المؤسسات:

- البناء المؤسسي: تأسيس مؤسسات تحقق الأركان الأربعة

- الرقابة والمحاسبة: آليات فعالة للتواصي بالحق

- الاستدامة: ضمان استمرارية المؤسسات رغم التحديات


 خامساً: التطبيق المتوازن والعادل في السياسة الشرعية


منع الانحرافات السياسية

سورة العصر توجه المفاهيم السياسية الشرعية نحو التوازن والعدالة من خلال:

1. منع الانزياح الأيديولوجي: بجعل الإيمان أساسًا، تمنع السورة تحول السياسة إلى مادية صرفة أو قومية متطرفة أو حزبية مقيتة أو فكرة دنيوية ضيقة

2. منع الانزياح التقني (التكنوقراطي): بجعل "عمل الصالحات" ثمرة للإيمان، تمنع السورة انفصال الإدارة والتقنية عن القيم، فتصبح الكفاءة مجردة من الضمير 

3. منع الاستبداد: بمبدأ "التواصي بالحق"، تقيم السورة نظامًا للرقابة المتبادلة يمنع تمركز السلطة والفساد

4. منع العجلة والانهيار: بمبدأ "التواصي بالصبر"، تزرع السورة ثقافة التدرج والثبات وعدم اليأس، مما يمنع الثورات العاطفية والانهيارات عند أول عقبة...


تحقيق التوازن الحضاري:

السورة تحقق التوازن في عدة جوانب: فالإيمان والعمل فرديان، بينما التواصي جماعي. كما أن الإيمان نظري، والعمل الصالح تطبيقي. وهناك توازن بين العمل في الحاضر والصبر للمستقبل.

وأخيراً، التوازن بين حق الحاكم في الطاعة مقابل واجبه في طاعة الله في عباده بالعدل والإحسان .


العدالة كمحور أساسي

السورة تحقق العدالة من خلال:

- العدالة في التشخيص: {إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ} تشخيص صادق وموضوعي للواقع

- العدالة في الحلول: الأركان الأربعة تقدم حلولاً شاملة ومتوازنة  

- العدالة في التطبيق: التواصي يضمن تطبيقاً عادلاً وشفافاً للمبادئ ما يجعلك تثبت عليها 


سادساً: خاتمة — سورة العصر: الدستور الأخلاقي للسياسة الشرعية

> السياسة الشرعية ليست علم التلاعب بالسلطة، بل علم تزكية المجتمع وبناؤه وفق ما أمر الله تعالى 

> الحاكم في الإسلام ليس مُديرًا، بل أمينًا، ومُربّيًا، وراعيًا.


سورة العصر تقول لنا:  

- لا تُبنى دولة على أموال، بل على إيمان  

- لا تُبنى دولة على قوانين وحدها، بل على عمل صالح  

- لا تُبنى دولة على الإعلام، بل على تواصٍ بالحق  

- لا تُبنى دولة على القوة، بل على صبرٍ طويل  


وإذا أراد قوم أن يُصلحوا أحوالهم، فليبدأوا بتدبر هذه السورة:  

- الحاكم: فليقرأها قبل أن يدخل مجلسه  

- العالم: فليقرأها قبل أن يُفتي  

- المواطن: فليقرأها قبل يُعارض أو ينصح

- الطالب: فليقرأها قبل أن يُخطط لمستقبله  


فـسورة العصر ليست دعوة للتأمل، بل نداء للعمل.  

وإذا تدبرها الناس، فلن يحتاجوا لكتب السياسة الحديثة — لأنها أدق من كل كتب الغرب، وأعمق من كل مذاهب الديمقراطية، لأنها من عند الله.


???? الخلاصة الجوهرية:

العصر يحمل المسؤولية التاريخية للحاكم، والخسران يشخص فشل أي نظام بلا هدى، والإيمان يؤسس شرعية الحكم الإلهية، والعمل الصالح يترجم ذلك إلى سياسات عامة عادلة، والتواصي بالحق يوفر الرقابة المجتمعية والشورى وحرية النقد، والتواصي بالصبر يضمن الاستقرار والتدرج ومقاومة الفوضى و القوى الخراجية..

> فمن فهم سورة العصر، فهم السياسة الشرعية.  

> ومن تدبرها، عرف أن النجاح في الحياة لا يُقاس بطول العمر، بل بصدق العمل.  

> ومن عاش بها، فقد ربح العصر — وربح الدنيا والآخرة.


???? قول الإمام الشافعي — تأكيد نهائي:

> "لو لم ينزل من القرآن إلا سورة العصر لكفتهم"  

> — أي: كفتهم عن الخسران، وكفتهم عن الفساد، وكفتهم عن الحاجة إلى غيرها في تكوين دولة عادلة، ومجتمع متكامل، وقيادة رشيدة.


سورة العصر تقدم منهجاً متكاملاً للسياسة الشرعية يقوم على أربعة أركان متوازنة ومترابطة. هذا المنهج يضمن تحقيق العدالة والتوازن في الحكم على ما أمر الله تعالى، ويوفر إطاراً شاملاً لفهم وتطبيق السياسة الشرعية في كل العصور.


فهل نحن اليوم نحتاج إلى دساتير جديدة؟  

لا.  

نحن نحتاج إلى عودة إلى سورة العصر، فنُعيد بناء الحاكم على الإيمان، والشعب على الصبر، والدولة على الحق.


 الرسالة الجوهرية

النجاة من الخسران — سواء على المستوى الفردي أو الجماعي أو السياسي — لا تتحقق إلا بتحقيق هذه الأركان الأربعة مجتمعة، مما يجعل السورة دليلاً عملياً للحكم الراشد والسياسة العادلة.

> "فمن يؤمن ويعمل صالحاً، وتواصى بالحق والصبر — فذلك هو الربح الحقيقي، والدولة الحقيقية، والحياة الحقيقية."

"السياسة الشرعية ليست مجرد إدارة للسلطة، بل علم تزكية المجتمع وبناء الحضارة على أسس ربانية راسخة."


هذا وإن يكن صوابًا فمِن الله، وإن يكن خطأ فمني ومِن الشَّيطان، والله ورسولُه بريئان منه.

والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

تعليقات

الكلمات الدلالية