يقسم الله بالعصر ولا يقسم الله إلا بعظيم، قيل أن القصد عمر الإنسان وقيل أنها صلاة العصر.
عمر الانسان هو رأس ماله: قال أحد السلف لم أفهم معنى القسم بالعصر إلا لما سمعت بائع الثلج يقول: "ارحموا من رأس ماله يذوب، اشتروا بضاعتي قبل أن تذوب"
فأعمارنا تذوب كما يذوب الثلج!
قال الحسن البصري : "يا ابن آدم! إنما أنت أيام إذا ذهب يومٌ ذهب بعضك."
وقال: "يا ابن آدم! نهارك ضيفك فأحسِن إليه، فإنك إن أحسنت إليه ارتحل بحمدك، وإن أسأت إليه ارتحل بذمِّك، وكذلك ليلتك"
قال تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ (2) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ (3) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ (4)} [سورة الليل]
يتعاقب عليك ليل فنهار يمضيان بعمرك إلى أن تلقى الله.
خذ من تعاقب الليل والنهار عليك نورا لك يضيء قبرك.
سعيك هنا يجلب لنا نور عملك الصالح في قبرك.
اغتنم وقتك لتجعل لك غرسا ضاربا في الأرض عمقا شامخا في السماء أثرا واحذر من غبن يوم القيامة.
{يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ۖ ذَٰلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ ۗ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9)} [سورة التغابن]
والمراد بالمغبون من غبن عن أهله ومنازله في الجنة، فيظهر يومئذ غبن كل كافر بتركه الإيمان، وغبن كل مؤمن بتقصيره في الإحسان (البغوي)
وقيل المقصود به صلاة العصر أقسم الله بها لأنها صلاة فاضلة وهي الصلاة الوسطى
قال تعالى: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين(238)} [سورة البقرة]
وصح عن النبي أنه قال: "من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله "
فأعظم الخسارات خسران المال والأهل والنفس، والنبي صلى الله عليه وسلم جعل من فاتته صلاة العصر كمن خسر كل هذا.
{لفي خسر } جاءت نكرة لتعظيم شأن هذا الخسران وتنوعه، وكأنه وعاءٌ يحيط بالإنسان من كل جانب.
والخسران الحقيقي هو أن تمر بك فرص الربح الكثيرة المتاحة كل يوم، من إماطة أذى أو كلمة طيبة أو تفكر في خلق الله، فتضيعها بلا اغتنام.
لو حاولنا أن نحاسب أنفسنا على أسبوعنا الماضي على ضوء هذه السورة، لوجدنا خسائر فادحة!
كل لحظة ضاعت بغير طاعة هي خسارة، واللحظة التي نقضيها في معصية هي أشد خسارة، لأن وقتنا هو رأس مالنا كان يجب أن نعمره بما يقرّبنا إلى الله.
جاء الاستثناء: أن الخسارة ليست مطلقة، بل هناك من نجى منها،
{إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ(3)} [سورة العصر]
فأول صفاتهم: إيمان راسخ لا يتزعزع، صار علَماً على صاحبه.
فالإيمان هنا ليس كلمة تقال، ولا عاطفة عابرة، بل هو يقين ثابت يستقر في القلب، وينعكس على الجوارح.
إيمان يجعل صاحبه يعرف ربه حق المعرفة، ويثق في وعده، ويخاف وعيده.
وثانيها: عمل صالح دائم، هو ثمرة ذلك الإيمان.
فما آمن من لم يعمل، وما عمل من لم ينتفع بعمله إن لم يكن خالصاً لوجه الله.
وجاءت "الصالحات" بالجمع لتدل على سعة أبواب الخير، وتنوع مجالات البر، فكل عمل ينفع الناس ويصلح الأرض فهو من الصالحات من صلاة وصيام، وبر الوالدين، وإماطة الأذى، وإدخال السرور على قلب مؤمن..
ورابعها: تواصٍ بالصبر، فهو الزاد الذي لا غنى عنه لاستمرار الإيمان والعمل والتواصي.
صبر على طاعة الله حتى تؤدى، وصبر عن معصية الله حتى تُترك، وصبر على أذى الناس أثناء الدعوة والعمل، وصبر على أقدار الله، فلا جزع ولا سخط.
والصبر هو الذي يحول الإيمان واقعا، وينقل العمل من العادة إلى العبادة، والتواصي من كلمة إلى منهج حياة.
فالعصر يجمع جزئيات الزمن الذي هو عمرك، والصبر يجمع كل أخلاقك التي تعبر به ذلك الزمان.
فالسعيد من نظر إلى عمره يذوب كالثلج، فبادر بالاستقامة على هذه الصفات الأربع، ليفوز برحمة الله ويدخل جنات النعيم.
{فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185)} [سورة آل عمران]
اكتب مراجعة عامة