img
img

القيادة تتجاوز الألقاب: نحو فهم إنساني واستراتيجي لمفهوم القيادة في المناصب العليا

img
المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان

القيادة تتجاوز الألقاب: نحو فهم إنساني واستراتيجي لمفهوم القيادة في المناصب العليا

في ظل الحاجة إلى إعادة تعريف مفاهيم القيادة في مؤسساتنا العربية، ومع اتساع الفجوة بين المنصب الحقيقي والأثر الفعلي، يسعد المعهد العربي للإعتماد اليوم أن يقدم مقالًا جديدًا ومميزًا في طرحه، يعالج مفهوم القيادة من منظور إنساني واستراتيجي، ويكشف عن الفارق العميق بين اللقب القيادي والتأثير القيادي.

د. ياسر قطب

 

القيادة ليست سلطة نمارسها على الآخرين، بل مسؤولية نمارس بها أنفسنا أولًا، حتى نُلهِمهم لا نُخيفهم، ونرفعهم لا نُديرهم فقط."د.ياسرقطب

الملخص التنفيذي

لا تزال العديد من الثقافات المؤسسية تخلط بين اللقب التنفيذي والقيادة الحقيقية، بينما تشير الاتجاهات الحديثة في علم القيادة إلى أن التأثير الحقيقي ينبع من القدوة، القيم، ومهارات التواصل، وليس من الصلاحيات الإدارية وحدها. يسعى هذا المقال إلى تحليل أبعاد القيادة الأصيلة عبر مجموعة من المناصب الحساسة، وتقديم إطار تحليلي يعيد ضبط المفاهيم ويُرشد إلى معايير قيادية فعالة تتجاوز الشكل الرسمي للسلطة.

مقدمة

لم تعد المناصب وحدها تصنع القادة، بل أصبحت القيادة الحقيقية مرهونة بامتلاك رؤية، وممارسة إنسانية، وقدرة على التأثير في الآخرين. المقال يعرض نماذج قيادية متباينة (تنفيذية، أكاديمية، حكومية، سياسية) ويُبرز كيف يمكن أن تختلف مظاهر القيادة باختلاف السياق، ولكنها تظل ترتكز على جوهر قيمي واحد.

1. القيادة المفاهيمية: تفكيك العلاقة بين المنصب والتأثير

تُظهر نظرية القيادة التحولية (Transformational Leadership) التي طورها Bernard Bass أن القائد المؤثر هو من يُلهِم الآخرين، يضع رؤية واضحة، ويشجع على الإبداع والنمو الفردي. هذا النوع من القيادة يختلف جوهريًا عن القيادة المعتمدة على الصلاحيات الشكلية أو التهديد بالعقوبات.(Bass & Riggio, 2006)

القيادة الأخلاقية تتطلب وضوحًا في القيم، شفافية في الأهداف، وقدرة على تحويل  السلطة إلى مسؤولية مجتمعية.

2.  رئيس مجلس الإدارة: بين الرؤية والواقع

الدور الفعلي لرئيس مجلس الإدارة ليس مجرد إشراف على الأداء المالي، بل صياغة رؤية استراتيجية مستدامة وتوجيه ثقافة تنظيمية قائمة على التعاون والابتكار.
أثبتت أبحاث دانيال جولمان (Goleman, 2000) أن القادة الأكثر نجاحًا هم من يتمتعون بمستوى عالٍ من الذكاء العاطفي، الذي يشمل الوعي الذاتي، والتنظيم الذاتي، والتعاطف.
القائد الذي يدير بالأرقام فقط دون مراعاة للعلاقات الإنسانية، غالبًا ما يخلق بيئة عمل سامة تعوق الإنتاجية والاستقرار.

3.  رئيس الجامعة: قيادة للمعرفة لا للمؤسسة فقط

الجامعات هي مراكز فكر، لا مؤسسات بيروقراطية فقط. نجاح رئيس الجامعة يعتمد على تبنيه لمبدأ القيادة الفكرية (Thought Leadership)، أي أن يكون مُحفزًا للبحث والتطوير وراعيًا للمبادرات العلمية.
تشير دراسات Northouse (2021) إلى أن القيادة الأكاديمية تحتاج توازنًا بين الإدارة والريادة الفكرية، وبين الانضباط الإداري والمرونة المعرفية.

4. المحافظ: القيادة الميدانية والتنمية المجتمعية

منصب المحافظ يتطلب ما يُعرف بـالقيادة التشاركية (Participative Leadership)، حيث تُبنى السياسات المحلية بالتعاون مع المجتمع المدني، وليس من خلال القرارات الفوقية.
المحافظ الفعال هو من يُنصت لاحتياجات الناس، ويُشركهم في الحلول، ويُحوّل الإمكانات المتاحة إلى مشروعات حقيقية تخدم المواطن.

5. الوزير: القيادة السياسية والتنموية المتوازنة

القيادة على المستوى الوزاري تُصنف ضمن ما يُعرف بـالقيادة الاستراتيجية العامة (Public Strategic Leadership)، وهي تتطلب تفاعلًا دائمًا بين المعطيات الرقمية والسياسات القيمية.
الوزير الناجح لا ينفذ خططًا جاهزة، بل يشارك في تصميم استراتيجيات تستجيب للمتغيرات، ويُقيم آثارها الواقعية على الفئات المستهدفة.

6. المناصب السياسية العليا: من إدارة السلطة إلى صناعة الأثر

القيادة السياسية الحقيقية لا تقوم على الخطاب الإعلامي، بل على التأثير طويل المدى في الثقافة العامة والقرار السياسي.
القائد السياسي الذي يلتزم بالأخلاقيات العامة ويوازن بين الشفافية والفعالية هو الأقدر على تحقيق الشرعية الشعبية والحفاظ على السلم المجتمعي (Yukl, 2012) .

7. الإدارة العليا: التخطيط، التواصل، والشمول

الإدارة العليا هي المستوى الذي يُرسي قواعد التنظيم العام ويؤسس لثقافة الأداء. تشير أدبيات القيادة الحديثة إلى أن القادة في هذا المستوى بحاجة إلى مهارات تخطيط استراتيجي، ذكاء تنظيمي، وذكاء عاطفي.
بيئة العمل التي يقودها مسؤول لا يستمع، ولا يشرك الآخرين في التخطيط، تُصبح عُرضة للاحتراق الوظيفي، وفقدان الابتكار.

8. القيادة كأثر إنساني قبل أن تكون صلاحية تنفيذية

تُعرّف القيادة الأصيلة (Authentic Leadership) بأنها القيادة التي تستمد شرعيتها من الانسجام بين القيم الداخلية والسلوك الظاهري.
القائد الذي يبني ثقته على الاحترام المتبادل والتقدير المتواصل يُحدث تحولات دائمة في المؤسسات والمجتمعات على حد سواء.

وهنا تتجلى القيادة كمسؤولية إنسانية، لا كأداة تنفيذ.

"ليس المنصب ما يمنحك المجد، بل الأثر الذي تتركه في عقول الناس وقلوبهم. فكل قائد عابر، لكن القادة الحقيقيين يُصنعون من الإخلاص، والقدوة، والصدق في التوجيه."

الخاتمة

القيادة ليست امتيازًا بل تكليف، وليست سلطة بل مسؤولية. من يملك المنصب قد لا يملك القيادة، ومن يملك القيادة قد لا يحتاج إلى المنصب ليُحدث أثرًا. لقد آن الأوان لإعادة تعريف القيادة كرسالة إنسانية تتجاوز الحدود الشكلية للمناصب نحو بناء الثقة، وإطلاق القدرات، وتحقيق الرؤية المشتركة.

        المراجع                                                                                                                                    

  • Bass, B. M., & Riggio, R. E. (2006). Transformational Leadership. Psychology Press.
  • Goleman, D. (2000). Leadership That Gets Results. Harvard Business Review.
  • Yukl, G. (2012). Leadership in Organizations (8th ed.). Pearson.
  • Northouse, P. G. (2021). Leadership: Theory and Practice (9th ed.). Sage Publications. 

تعليقات