د. ياسر قطب
خبير استراتيجي و باحث ومحاضر في
العلوم البينية والانسانية
مقدمة
تعيش القضية الفلسطينية منذ عقود حالة شد وجذب بين منطقين متباينين: منطق الدولة الذي يسعى لبناء كيان جامع يتمتع بالشرعية والسيادة والاعتراف الدولي، ومنطق الحركة الذي يركز على الفعل المقاوم المباشر دون غطاء سياسي جامع. وفي ظل تعقيدات الواقع السياسي المعاصر، يصبح السؤال ملحًّا: أيّ المنطقين أقدر على حماية الشعب الفلسطيني، وفرض معادلة جديدة أمام العالم؟
أولًا: منطق
الدولة
العالم اليوم
لا يتعامل مع الحركات مهما بلغت قوتها، بل مع الدول ذات السيادة والشرعية
المعترف بها. وجود حكومة فلسطينية شرعية تتصدر المشهد السياسي يمنح الفلسطينيين
صفة التمثيل الرسمي أمام الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، وهي صفة لا تستطيع أي
حركة اكتسابها مهما امتلكت من نفوذ ميداني أو قاعدة شعبية.
التجارب التاريخية والسياسية تؤكد أن منطق الدولة هو وحده الذي يحوّل التضحيات إلى مكاسب سياسية، ويجعل العالم مضطرًا للاعتراف بالحقوق الفلسطينية، لأن العالم لا يعترف إلا بالكيانات ذات الشرعية القانونية.
ثانيًا: منطق
الحركة
الحركات تبقى محدودة التأثير، مهما امتلكت من سلاح أو قدرة على الصمود. إسرائيل تبرّر دائمًا أمام العالم أنها تواجه "حركة مسلحة"، وهو ما يمنحها مبررًا سياسيًا للتملص من الضغوط الدولية. بقاء المشهد الفلسطيني تحت منطق الحركة فقط يعني بقاء الرواية الإسرائيلية أكثر قبولًا عند القوى الكبرى، ويُغرق القضية في دائرة "النزاع الأمني" بدل "الحق السيادي".
ثالثًا:
الحسابات الدولية
إذا تصدرت الحكومة الفلسطينية الشرعية المشهد، تتحول المعادلة: تصبح إسرائيل في مواجهة حكومة ودولة، لا حركة. هذا يحرجها أمام المجتمع الدولي، ويُضعف حجتها السياسية. عندها يمكن للفلسطينيين أن ينتقلوا من موقع الدفاع إلى موقع فرض الرواية، بدعم من القانون الدولي والاعتراف الأممي.
رابعًا: دروس
التاريخ
كل هذه الشواهد تؤكد أن المقاومة وحدها لا تكفي، وأن النصر لا يتحقق إلا عبر مشروع دولة جامعة.
خامسًا:
التحديات الواقعية
لا شك أن تسليم الملفات من حماس إلى الحكومة الفلسطينية قد يُعتبر تهديدًا لدور الحركة، كما أن بعض القوى الإقليمية قد تتردد لأن مصالحها مرتبطة ببقاء "الحركة" أكثر من قيام "الدولة". ومع ذلك، فإن المصلحة العليا للشعب الفلسطيني لا ينبغي أن تُقاس بمصالح الفصائل، بل بمستقبل الدولة الجامعة القادرة على حماية حقوقه.
الخاتمة
إن مواجهة منطق
الدولة بمنطق الحركة في ظل الواقع السياسي الراهن ليست مجرد نقاش فكري، بل هي
معركة مصيرية تحدد مآلات القضية الفلسطينية. فالسنن الإلهية والتجارب التاريخية
والواقع الدولي كلها تقول بوضوح: النصر لا يكون إلا عبر الدولة الجامعة ذات
السيادة والشرعية.
قلتُها من البداية، ولن أستطيع السكوت أكثر من ذلك: الحفاظ على الشعب أهم من أي شعار، واستيعاب الدرس ضرورة قبل أن ندفع أثمانًا أكبر.
اكتب مراجعة عامة