img
img

بين شهيد علّمنا كيف نموت… وأمّة لا تعرف كيف تحيا: يموت الأحرار واقفين… وتعيش الأمة راكعة

img
منصة مفكر

بين شهيد علّمنا كيف نموت… وأمّة لا تعرف كيف تحيا: يموت الأحرار واقفين… وتعيش الأمة راكعة

أ. مروان البحري
منسق منصة مفكر
باحث في القانون الإقتصادي
محلل سياسي تونسي


حين يصبح الموت حياة

في زمن فقدت فيه الأمة قدرتها على الحياة بكرامة، يظهر الشهيد ليعيد تعريف المعنى. إننا لا نحزن على من عرف كيف يموت، بل على من لم يعرف كيف يعيش. فالموت في سبيل الحق أشرف من حياة في سبيل الذل. فالشهيد لا يرحل، بل يترك وصية مكتوبة بالدم تقول: “هكذا تكون الحياة حين تُعاش بكرامة، ولو كان ثمنها الموت”.

لكن المفارقة المروّعة، أن الأمة التي يُضحّي لأجلها، تستمر في الركوع، وتكتفي بالبكاء على أطلال الشهداء دون أن تغيّر واقعها. هنا يكمن جوهر الأزمة: أمة اعتادت الحداد بدل الثورة، والركوع بدل النهوض.


الشهداء مرآة الأمة المكسورة

كل شهيد يُعلّمنا درسًا صارخًا: أن قيمة الإنسان ليست في طول حياته، بل في معنى موته. في فلسطين، يُولد الشهيد من رحم القصف ليذكّرنا أن الحرية لا تُمنح بل تُنتزع. بينما في عواصم العرب، يموت الناس ببطء تحت قمع أجهزة الأمن أو في طوابير الخبز، دون أن يُحسب لهم موت أو حياة.

دماء الشهداء تحرج الأمة كل يوم. كيف يقاتل طفل في غزة بدميّة مكسورة، بينما جيوش عربية بمئات آلاف الجنود صامتة في ثكناتها؟ كيف يواجه شابٌ في القدس جنود الاحتلال بحجر، بينما حكام العرب يوقّعون عقود الغاز والسلاح مع العدو ذاته؟

وكما قال تشي غيفارا: “إنني لا أحزن على من يموت من أجل قضية، بل على من يعيش دون قضية.” وهذا هو حالنا: أمة فقدت قضيتها، بينما الشهداء يذكّرونها كل يوم بما ضيّعت.


أنظمة تكتب نهايات الأمة

الخيانة لم تعد مجرّد تهمة، بل سياسة رسمية. حكومات عربية باعت كل شيء: الأرض والذاكرة والكرامة. تحوّلت فلسطين من قضية مركزية إلى عبء سياسي يريدون التخلص منه بأي ثمن. اليوم لم يعد التطبيع مجرد سرّ يُدار في الغرف المغلقة، بل أصبح إعلانًا رسميًا يُسوّق على أنه “سلام”. أي سلام هذا الذي يُعقد فوق جثث الأطفال وتحت أنقاض البيوت؟

حين وقف أنور السادات في الكنيست ليعلن “سلام الشجعان”، كان يفتح الباب أمام خيانة جماعية صارت عقيدة سياسية. تلاه ملوك ورؤساء جعلوا البقاء في الحكم أثمن من بقاء فلسطين. الأنظمة التي وقّعت على اتفاقيات التطبيع لم توقّع فقط على موت فلسطين، بل على موت الأمة بأسرها ليكتب علينا علينا أن نأكل الخيانة كما نأكل الخبز… وأن نشربها كما نشرب الماء.

والأدهى من ذلك، أن هذه الأنظمة أصبحت شريكة فعلية في إدامة الاحتلال. فكيف نفسر أن الغاز الفلسطيني يُنهب عبر صفقات موقّعة مع حكومات عربية؟ وكيف نفسر أن شركات أمنية عربية تدرب الشرطة الإسرائيلية بينما تمنع شعوبها من التظاهر لنصرة غزة؟


شعوب مكبّلة وصوت مخنوق

المأساة الأكبر أن الأنظمة لم تكتفِ بخيانة القضية، بل سعت لإسكات شعوبها حتى لا تفضحها. في الشوارع العربية، خرجت أصوات غاضبة ضد المجازر في غزة، فكان الرد بالهراوات والسجون. أصبح رفع علم فلسطين جريمة، والهتاف باسمها تهمة، والتعبير عن التضامن معها “تهديدًا للأمن القومي”.

هكذا حوّلت الأنظمة أمن السلطة إلى بديل عن أمن الأمة. كل ما يُحرّك الناس يُعتبر خطرًا يجب سحقه. لقد نجحت في تدجين شعوبها، لكنها لم تفلح في إسكات الدماء. فالدم الفلسطيني الذي يسيل يوميًا يفضح صمتها، ويعرّي زيف روايتها.

إنها شعوب صارت محرومة من أن تحزن، ممنوعة من أن تغضب، محاصرة حتى في حقها في الصراخ. لقد انتصرت الأجهزة الأمنية على الجماهير، لكنها لم تنتصر على الحقيقة. والحقيقة أن فلسطين فضحت الجميع: الحكام الذين خانوا، والشعوب التي صمتت، والنخب التي تواطأت.


الثورات العربية: من حلم الحرية إلى كابوس القمع

حين اندلعت الثورات العربية، كان صوت الجماهير يقول بوضوح: “نريد أن نعيش بكرامة”. كان ذلك أخطر تهديد للأنظمة، ليس لأنها تخاف من سقوطها فحسب، بل لأنها تعلم أن شعوبًا حرة ستعيد اكتشاف فلسطين كقضية وجود.

ولذلك كان لا بد من وأد هذه الثورات بكل الوسائل: الدم، السجون، الانقلابات، التدخلات الخارجية. ما جرى في دول الربيع العربي بعد 2013، لم يكن مجرد صراع على السلطة، بل معركة لمنع الأمة من أن تنهض من جديد. كان المطلوب سحق فكرة الحرية نفسها حتى لا تعود القضية الفلسطينية رمزًا جامعًا.

الثورة في تونس حين هتفت “الشعب يريد إسقاط النظام” ألهمت ملايين العرب، لكن الأنظمة سارعت لإجهاض التجربة وإغراقها في الأزمات. لأنهم يعلمون أن شعوبًا تعلّمت أن تسقط نظامًا، يمكن أن تُسقط أنظمة أخرى، ويمكن أن تقول للعدو: “لن تمرّ”.


موت الأحرار وحياة العبيد

في فلسطين، يموت الأحرار واقفين. في العواصم العربية، تعيش الأمة راكعة. المفارقة التي تصرخ في وجوهنا أن الموت أصبح أشرف من الحياة. موت الشهيد هو بداية لحياة جديدة، أما حياة الأمة فهي استمرار لموت طويل بطيء.

كم هو قاسٍ أن يثبت طفل في غزة تحت القصف أكثر من ثبات زعيم عربي على مبدئه. وكم هو مرير أن تكون وصية الشهيد أوضح من خطابات القمم العربية.

لقد أصبحنا أمة تمشي في جنازة نفسها، بينما الأحرار يشيّدون بدمائهم فجرًا جديدًا. لكنّ الفجر لن يكتمل إلا حين تتحرر الأمة من خوفها، وتفهم أن الركوع ليس حياة، وأن البقاء في الذل ليس قدرًا.


السؤال الذي يلاحقنا

يبقى السؤال الأكبر: متى ستتعلم الأمة أن تحيا كما علّمها الشهيد أن يموت؟ لقد أدى الشهداء رسالتهم، وكتبوا وصيتهم بالدم. لكن الوصية ما زالت معلّقة، تنتظر أمّة تملك الشجاعة لتعيش بحرية.

إذا كانت الأنظمة قد باعت الأرض، وإذا كانت الشعوب قد صمتت، فإن دم الشهداء يظل أقوى من كل ذلك. سيظل يصرخ في وجوهنا: “موتوا كما عشنا… أو عيشوا كما متنا.”

إن لم تستفق الأمة من غيبوبتها، فلن يكتب التاريخ عنها سوى أنها عاشت راكعة وماتت صامتة. لكن التاريخ أيضًا يعلّمنا أن كل خيانة لها نهاية، وكل دم يسقط يثمر وعيًا جديدًا. والشهداء لا يموتون، إنما يتركون للأمة خيارًا واحدًا: إمّا أن تحيا بكرامة… أو تفنى بالركوع.


جيل جديد يرفض الركوع

رغم هذا المشهد القاتم، يلوح أمل مختلف. جيل جديد يولد اليوم، محمولًا على دماء الشهداء، ومحصّنًا ضد خطاب الخيانة. جيل لم يعد يثق في الأنظمة ولا في شعاراتها، بل يبحث عن معنى حقيقي للحرية والكرامة.

شباب يقودون الحملات التضامنية عبر المنصات الرقمية، ينظمون المظاهرات رغم القمع، ويصنعون خطابًا جديدًا يربط بين الحرية في الداخل والتحرير في فلسطين. هذا الجيل لا يرى في فلسطين عبئًا، بل بوابة للكرامة الجماعية.

إنهم لا يحملون فقط شجاعة المواجهة، بل أيضًا وعيًا تاريخيًا بأن الأمة لا يمكن أن تحيا إلا إذا استعادت فلسطين. وهذا هو بريق الأمل: أن يكون دم الشهيد بذرة حياة جديدة، لا مجرد مرثية عابرة.

تعليقات

الكلمات الدلالية