img
img

بين الفرد والأمة: هل يكفي التدين الفردي أم أن الأصل الإصلاح الجماعي؟

img
منصة أفق السياسة

بين الفرد والأمة: هل يكفي التدين الفردي أم أن الأصل الإصلاح الجماعي؟


يتكرر السؤال بين المسلمين:

هل يكفي أن يكتفي المسلم بعباداته وصلاته وتزكية نفسه ليكون قد أدّى ما عليه؟ أم أنّ الإيمان الحق يقتضي أن ينخرط في قضايا أمته ويشارك في إصلاح مجتمعه، فيكون لبنةً في مشروع النهوض؟


الصالح والمصلح

يمكننا تبسيط الأمر بالقول إن المسلم الصالح هو الذي يهتم بإصلاح نفسه من ذكر وعبادة وتزكية، فيبقى أثره محدودًا في ذاته. أما المسلم المصلح فهو صالح في نفسه، لكنه يتعدى أثره إلى أسرته وجيرانه ومجتمعه، فينشر الخير والفضيلة بينهم.

ولهذا قيل: "كل مصلح صالح وليس كل صالح مصلح".

ولأن المصلح يسعى لتغيير المجتمع وقوانينه بما يوافق شرع الله، غالبًا ما يواجه بحرب وتشويه أكبر من مجرد الصالح المنعزل.


الجمع بين الزاد الفردي والعمل الجماعي

من التجارب الواقعية، مثل الثورة السورية، ظهر بوضوح أن المسلم يحتاج للأمرين معًا:

زاد إيماني يقي قلبه القسوة والفتور، وانخراط في قضايا الأمة لنصرة إخوانه، وإلا كان ذلك عين الخذلان. وقد قال النبي ﷺ:

"انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً".

فالحياد والاعتزال في أوقات المحن ليس من الإسلام في شيء.


هل يوجد "تدين فردي" في الإسلام؟

في الحقيقة، لا نجد في الإسلام ما يسمى "التدين الفردي" بمعزل عن المجتمع. فالتدين الحقيقي يصنع نموذجًا متكاملًا للإنسان يتفاعل مع محيطه بالضرورة. وقد جاءت نصوص الوحي واضحة:

{قوا أنفسكم وأهليكم نارًا}

{ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً}

"من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم"

"المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم"


إذن: المسلم الحقيقي متفاعل مؤثر بالضرورة، أما حصر الدين في حدود الذات فهو تشويه لجوهر التدين.


الفرد والمجتمع بين النظريات الفكرية والإسلام

لقد حكمت العالم خلال القرنين الماضيين نظريتان متقابلتان:

الرأسمالية (آدم سميث) التي جعلت الفرد محورًا، "دعه يعمل دعه يمر".

الاشتراكية (كارل ماركس) التي أذابت الفرد لصالح المجموع.

أما الإسلام فقد جاء بنظرية وسط، تعنى بالفرد دون إهمال الجماعة، وتحفظ المصلحة العامة دون سحق الحقوق الفردية، كما في الوقف وحق الجوار ومنع الضرر. فهو الأكثر شمولية وتوازنًا.


البعد الحضاري

تحويل الإسلام إلى دين فردي هو مشروع يُعمل عليه منذ عقود لتفريغه من مضمونه الحضاري، لأنه في صورته المجتمعية يمثل تهديدًا حقيقيًا للحضارة الغربية.

فالقرآن نفسه فرّق بين "الصالحين" الذين قد يرثون الأرض، و"المصلحين" الذين بدوام إصلاحهم تُحفظ المجتمعات من الهلاك:

{ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون}

{وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون}


نحو رؤية متوازنة

الفرد هو أساس المجتمع، والمجتمع يكتسب قوته من مجموع الأفراد. لكن الإسلام لم يقف عند هذا الحد، بل صهر الفرد والجماعة في كيان أوسع هو الأمة، التي لا تقوم على عرق أو قبيلة أو مصلحة، بل على رابطة القيم والرسالة.

ولهذا نحن بحاجة إلى مفكرين وعلماء اجتماع مسلمين يعيدون صياغة النظرية الاجتماعية الإسلامية، ويبرزون عمق التفاعل بين الفرد والمجتمع والدولة، ويؤصلون مكانة الأمة باعتبارها الإطار الأوسع لنهضة المسلمين.


   إذن فليس السؤال: هل يعيش المسلم لنفسه أم لأمته؟ بل الحقيقة أن عيشه لنفسه لا يكتمل إلا بعيشه لأمته، واهتمامه بأمته لا يستقيم إلا بصلاح نفسه.

فالإسلام لا يعرف التدين الفردي المنعزل، بل يعرف التدين الشامل الذي يجعل من المسلم عنصر بناء وإصلاح أينما كان.

تعليقات

الكلمات الدلالية