خلق الله العباد ليعظموه
وأودع في فطرهم ما يناديهم ويدفعهم دفعا إلى بابه،
فإذا هم استناروا بنور الوحي اهتدوا للعلم عن خالقهم،
وإذا هم صمُّوا آذانهم عن نداء الفطرة واستغشَوْا ثيابهم لكي لا يروا براهين عظمة الله الساطعة، كان أن تعلقوا بكل من لمعت له الصورة ولو كان لُكَع ابن لُكَع!
حتى أن كافرهم لحاجته للعظيم يصنع لك شخصية كرتونية تطير في السماء تسمع النداء وتلبي الرجاء
حتى أنك ترى العجب في أمة التوحيد..
شخص لتوليه مهمة الإعلام وجوبا سيكون على الشاشات؛
الكل يتحدث عن بطولاته ولو لم يروا منها شيئا!!
وقد يكون من زملائه الذين من وراء الصور من هم أشجع وأتقى وأنقى.
قال رسولﷺ: "طُوبَى لعبدٍ أخذ بعنانِ فرسِه في سبيلِ اللهِ أشعثَ رأسُه مُغبَّرةٍ قدماه إن كان في الحراسةِ كان في الحراسةِ وإن كان في السَّاقةِ كان في السَّاقةِ إن شفَع لم يُشفَّعْ وإن استأذَن لم يُؤْذَنْ له"
جاء في شرح الحديث: خامِلُ الذِّكرِ ليس له مَكانةٌ بيْنَ النَّاسِ، ولا يَسع لِنَيْلِ وَجاهةٍ بيْنَهم، فإنِ استأذَنَ لم يُؤذَنْ له، وإنْ شَفَعَ في أحَدٍ لم تُقبَلْ شَفاعَتُه؛ لأنَّهُ غَيرُ مَعروفٍ بيْنَهم، ولكِنَّ قَدْرَه عِندَ اللهِ كَبيرٌ، وأجْرَه عِندَ اللهِ مَحفوظٌ.
فلنحلل إلى عوامل أولية:
الله (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) (الملك 2)
قدَّر الله هذا الابتلاء ليبلونا أينا أحسن عملا:
أحسننا عملا هو الذي تقرر لديه أنه لا تفاضل بين مجاهد وآخر الا بالصدق والإخلاص وليس بظهوره بين الناس،
وتقرر لديه أن ركعات ودعوات صادقات تنفع أخاكم سواء كان بين الأحياء أو بين الأموات أكثر من جدال عقيم مات أو لم يمت،
وتقرر لديه أن دعوة الإسلام لم تقم على أسماء بل قامت على عقيدة ورثها جيل عن جيل:
لم يذكر لنا اسم الرجل الذي جاء يسعى ولكنه مدح بفعله ولم يذكر لنا اسم الرجل العالم الذي علَّم موسى ولكن رُفع ذكره بعلمه..
فلنُنزّل منازل أبطالنا بإحياء الأمة ببطولاتهم لا بالرثاء والبكاء،
ولنأخذ عنهم المشعل لنصنع عزا لأمتنا هم ابتدأوه ونحن نواصله ونمرره.
وهكذا، يصبح حدث رحيل "الملثم" ليس مجرد نهاية لفرد، بل محطةٌ تنير دروساً عظيمة في مسيرة الأمة.
إنه اختبارٌ عميق لوعي الأمة، يمتحن قدرتنا على تمييز جوهر العظمة من زيف الشهرة، وحقيقة البطولة من وهْم الصورة.
لقد جاء هذا الابتلاء ليذكرنا بأن الله، الذي خلق الموت والحياة ليبلونا أينا أحسن عملاً، لا ينظر إلى الصور والأسماء، ولكن إلى القلوب والأعمال.
إن صناعة قادة المستقبل، القادرين على بناء عزّ هذه الأمة، يبدأ برفض منهج "الأسطرة" و"التأليه" للبشر، والعودة إلى منهج النبوة الذي رفع شأن "العبد الخامل الذكر" الذي لا يؤذن له ولا تقبل شفاعته عند الناس، لكن قدره عند الله عظيم.
لنصنع قادة من هذا الطراز: رجال لا تلهيهم الأضواء عن الجهاد، ولا تغرهم المناصب عن المبادئ. قادة تُعزُّ بهم الأمة لأنهم يتواضعون لله، فيرفعهم.
يقودونها بعزيمة الواثق بوعد الله، لا بحسابات الإعلام وتقلبات الرأي العام.
هم وقود المسيرة ومشعل النور الذي نأخذه من أبطال خلدوا بأعمالهم لا بأسمائهم،
لنواصل الطريق، ونمرر الراية، ونبني عزاً لأمتنا يمتد من ماضيها المجيد إلى مستقبلها الموعود بالنصر والتمكين!
اكتب مراجعة عامة