img
img

المجاعة في غزة: جريمة إنسانية وازدواجية معايير دولية

img
المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان

المجاعة في غزة: جريمة إنسانية وازدواجية معايير دولية

د. رامز مهدي محمود عاشور

أستاذ القانون العام.

 

دخل قطاع غزة رسمياً مرحلة المجاعة وفقاً لتقرير شبكة التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC)، ليضع العالم أمام حقيقة صادمة لم تعد تحتمل أي تأجيل أو تبرير.

 فبعد مرور 22 شهراً من حرب إسرائيلية شرسة ضد السكان المدنيين، يتكشف حجم الكارثة التي حذر منها الفلسطينيون مراراً: حصار محكم، دمار شامل، وتجويع ممنهج لشعب أعزل لا يملك سوى إرادته في البقاء.

قلق عربي ودولي وتحذيرات واضحة

لم يكن غريباً أن تعرب بعض الدول عن بالغ قلقها من تفاقم الأزمة، مؤكدة أن ما ورد في التقرير الأخير يمثل جرس إنذار للعالم أجمع.

 فقد أشارت تلك الدول بوضوح إلى أن استمرار الحرب وما رافقها من جرائم بحق المدنيين أدى إلى كارثة إنسانية مكتملة الأركان، محذرة من أن المجاعة ليست مجرد أزمة إنسانية، بل انتهاك جسيم للقانون الدولي الإنساني الذي يحظر استخدام التجويع كسلاح ضد الشعوب.

مسؤولية المجتمع الدولي

المأساة الإنسانية التي تعصف بغزة تكشف بوضوح عجز المجتمع الدولي وتقاعسه عن القيام بمسؤولياته. فبدلاً من اتخاذ خطوات عملية لإنهاء الكارثة، اكتفى المجتمع الدولي ببيانات إدانة شكلية لم توقف القصف ولم تُدخل الغذاء والدواء.

إن ما تحتاجه غزة اليوم ليس مجرد شجب واستنكار، بل تحرك عاجل وملموس يتمثل في:

·    وقف الحرب والجرائم بحق المدنيين.

·   رفع القيود المفروضة على دخول المساعدات الإنسانية.

·   ضمان وصول الغذاء والدواء إلى جميع المناطق دون قيد أو شرط.

ازدواجية المعايير

تكمن خطورة الوضع في أن الأزمة لم تعد مجرد صراع مسلح، بل أصبحت شاهداً على ازدواجية المعايير الدولية.

 ففي حين تتحرك القوى الكبرى لحماية المدنيين في مناطق أخرى من العالم، يُترك الشعب الفلسطيني وحيداً في مواجهة المجاعة والإبادة.

هذه الازدواجية لم تضعف فقط مصداقية النظام الدولي، بل كشفت أن المبادئ المعلنة لحقوق الإنسان لا تزال أسيرة الحسابات السياسية والمصالح الاستراتيجية.

إشادة بموقف غوتيريش

من بين الأصوات الدولية القليلة الصادقة، جاء موقف الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، الذي وصف المجاعة في غزة بأنها "كارثة من صنع الإنسان وفشل للبشرية". وهو توصيف دقيق يضع إسرائيل أمام مسؤولياتها القانونية بصفتها قوة قائمة بالاحتلال، ويؤكد أن منع الغذاء والدواء جريمة حرب لا تسقط بالتقادم.

أرقام صادمة

الأرقام الواردة في تقرير (IPC) تعكس حجم المأساة:

·    أكثر من 500 ألف إنسان يعيشون في ظروف المجاعة الكاملة (المرحلة الخامسة).

·    نحو 1.07 مليون شخص في حالة طوارئ غذائية حادة (المرحلة الرابعة).

·   التوقعات تشير إلى أن ما يقارب 641 ألف إنسان قد يواجهون ظروفاً كارثية بحلول سبتمبر المقبل.

هذه الأرقام لا تمثل مجرد بيانات إحصائية، بل هي أرواح بشرية مهددة بالفناء وسط صمت عالمي يرقى إلى التواطؤ.

خاتماً 

إن دخول المجاعة إلى غزة يشكل وصمة عار في جبين الإنسانية، وفضيحة مدوية للنظام الدولي الذي عجز عن حماية أبسط حقوق الإنسان، وهو الحق في الحياة.

إن الشعب الفلسطيني لا يطالب بالمستحيل، بل فقط بفتح ممرات إنسانية آمنة تضمن له البقاء.

وفي ظل هذا الصمت، ستظل غزة شاهدة على أن العدالة المؤجلة ليست عدالة، وأن التاريخ لن يغفر لمن وقف متفرجاً أمام جريمة تجويع شعب بأكمله.

تعليقات

الكلمات الدلالية