الإعلام
في عصر الذكاء الاصطناعي: من صانع الخبر إلى مفسّر البيانات
يشهد
الإعلام تحوّلًا عميقًا مع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى صميم صناعة الأخبار.
لم يعد الصحفي مجرد ناقل للحدث، بل أصبح مفسرًا للبيانات وموضحًا للسياقات، وهو ما
يؤكد عليه تقرير معهد رويترز لعام 2023 الذي أوضح أن غرف الأخبار الأكثر
قدرة على المنافسة هي التي دمجت أدوات الذكاء الاصطناعي في جمع الأخبار وتحليل
تفاعلات الجمهور [1]. هذا التحول يعكس انتقال الإعلام من التركيز على السبق
الصحفي إلى بناء قدرة تحليلية تتيح تفسير الأحداث ضمن سياق اجتماعي واقتصادي
وسياسي متكامل، وهو ما أشار إليه الباحث نيكولاس دياكوبولوس في تحليله لدور
الخوارزميات في إعادة صياغة الممارسات الصحفية [2].
التحولات
التاريخية للإعلام
شهد
الإعلام مراحل متتابعة في تطوره؛ ففي الماضي كانت المؤسسات الإعلامية تعتمد على
السبق والمصداقية من خلال الصحف الورقية والإذاعة والتلفزيون، حيث كان الصحفي هو
المصدر الأساسي للأخبار. مع ظهور الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي برزت صحافة
المواطن، وأصبح الجمهور نفسه مساهمًا في صياغة الأخبار. ومع دخول الذكاء
الاصطناعي، لم تعد قيمة الخبر مرتبطة بسرعة النشر بقدر ما باتت مرتبطة بالقدرة على
فرز الكم الهائل من البيانات، وتحليل الاتجاهات، واستخلاص الدلالات التي تساعد على
تشكيل وعي الجمهور
[3].
التطبيقات
العملية للذكاء الاصطناعي في الإعلام
أبرز
مظاهر الذكاء الاصطناعي في الإعلام تتجلى في ما يُعرف بالصحافة المؤتمتة، حيث تنتج
البرمجيات تقارير رياضية أو مالية روتينية اعتمادًا على قواعد بيانات جاهزة [3].
كما يتم استخدام تقنيات التحليل اللغوي والحوسبة الإدراكية لفحص ملايين المنشورات
على شبكات التواصل الاجتماعي بهدف قياس اتجاهات الرأي العام، وهي تقنيات ناقشتها
دراسات متخصصة في مجلة Digital
Journalism [4].
إلى
جانب ذلك، أصبح للذكاء الاصطناعي دور أساسي في مواجهة الأخبار المضللة والتحقق من
الصور والفيديوهات المزيفة، بما يعزز مصداقية المؤسسات الإعلامية ويحد من تأثير
المحتوى الزائف [6]. كذلك اعتمدت مؤسسات كبرى مثل Forbes على
تحليل بيانات الجمهور لتخصيص المحتوى بما يتلاءم مع اهتمامات كل قارئ [5].
الصحفي
بين جمع الخبر وتفسير البيانات
أمام
هذا التحول، لم يعد الصحفي مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح محللًا للبيانات، وهو ما
يُعرف بالصحافة البيانية. يوضح دياكوبولوس أن الصحفي المعاصر مطالب بإتقان قراءة
البيانات وفهمها وربطها بالسياقات الاجتماعية والسياسية [2]. ففي الانتخابات
مثلًا، لا يكفي نشر نسب التصويت، بل يجب تحليل التركيبة الديموغرافية وسلوك
الناخبين. وفي الأزمات الاقتصادية، لا يكفي عرض الأرقام، بل لا بد من ربطها
بالسياسات العامة وتأثيرها على المجتمع.
التحديات
الأخلاقية والمهنية
رغم
الفرص الكبيرة، يثير الذكاء الاصطناعي تحديات أخلاقية ومهنية مهمة. فالخوارزميات
ليست محايدة دائمًا، وقد تعكس تحيزات مجموعات البيانات أو مبرمجيها، ما يستدعي
شفافية أكبر في تفسير النتائج [4]. كما يبرز خطر التضليل العميق (Deepfake) الذي يتطلب بروتوكولات تحقق متطورة قبل
النشر [6]. أما مسألة الأتمتة وأثرها على مستقبل العمل الصحفي فتبقى موضع جدل، حيث
يرى بعض الخبراء أن دور الصحفي سيتحول من جمع المعلومة إلى التحليل والإبداع .
آفاق
المستقبل
تشير الدراسات الحديثة إلى أن مستقبل الإعلام سيقوم على دمج الإعلام بعلوم البيانات، مع توسع أكبر في الصحافة البيانية، وزيادة استخدام أدوات التحقق الرقمي، وتطوير تقنيات تخصيص المحتوى بشكل أعمق مع مراعاة الخصوصية [1][5]. وقد برزت مبادرات مثل Google News Initiative وBBC Visual & Data Journalism وThomson Reuters Labs – News Tracer كنماذج عملية لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار . أما تجربة Heliograf في واشنطن بوست وأتمتة التقارير الاقتصادية في وكالة أسوشيتد برس، فهي أمثلة عملية على قدرة الذكاء الاصطناعي على دعم الإنتاج الإعلامي وتوسيعه دون أن يلغي دور الصحفي
الخاتمة
يمكن القول إن دخول الذكاء الاصطناعي إلى الإعلام لم يكن مجرد إضافة تقنية، بل هو تحوّل جذري يعيد صياغة هوية الصحفي ودوره. فالصحفي في العصر الجديد هو مفسّر للبيانات ومحلل للاتجاهات قبل أن يكون ناقلًا للخبر، ومع ذلك يبقى الالتزام بالأخلاقيات والشفافية ضرورة لضمان إعلام مسؤول قادر على مواكبة تحديات العصر
المراجع
اكتب مراجعة عامة