img
img

بين البصر والبصيرة

img
المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان

بين البصر والبصيرة

أ. خالد هاروش

اكاديمي ومترجم سوري


يظلّ البصر نعمة جليلة وهبها الله للإنسان، لكنها ليست وحدها طريق الإدراك والفهم. فكثيرًا ما يكون النور الذي ينير الدروب نور البصيرة، ذلك النور الداخلي الذي يفتح آفاق الفهم، ويهدي إلى الحق، ويزرع الإصرار في القلوب. وإذا كان البصر هو نافذة الجسد على العالم، فإن البصيرة هي نافذة الروح على الحقيقة.

في هذا السياق، تتجسّد قصة طالبة كفيفة البصيرة تدرس في كلية الشريعة بجامعة الزيتونة، كأحد النماذج الملهمة التي تؤكد أن الإعاقة الجسدية ليست حاجزًا أمام الإرادة، بل قد تكون باعثًا على مضاعفة الجهد والتميز. تقول الطالبة: "لم أرَ الدنيا بعينيّ، لكنني أراها بقلبي وعقلي، وأتنفس عبير العلم الذي يفتح أمامي أبواب الأمل"، وهي كلمات تلخّص فلسفة الحياة عندها.

لقد آمنت جامعة الزيتونة الدولية في سورية بمبدأ أن "العلم حق للجميع"، ووفّرت للطالبة كل وسائل الدعم الأكاديمي والفني الممكنة، لتثبت مرة أخرى أنها ليست مجرد مؤسسة تعليمية، بل صرح إنساني يفتح أبوابه أمام كل من يطرقها، دون تمييز أو إقصاء. إن هذه الجامعة تُجسّد قول الإمام عليّ رضي الله عنه: "قيمة كل امرئ ما يُحسن". فالقيمة الحقيقية للإنسان لا تُقاس بحواسه الجسدية، بل بما يقدّمه من علم وفكر وجهد وزكما قال الأديب مصطفى صادق الرافعي: "إنما البصيرة نور القلب الذي به يُهتدى"، وهو ما تبرهنه تجربتها التي لم تمنعها إعاقتها من التفوق الأكاديمي والمشاركة الفاعلة في النقاشات العلمية داخل قاعة المحاضرات. فهي تحضر الدروس مسلّحة بحافظة قوية، وعزيمة لا تلين، وإيمان راسخ بأن طلب العلم عبادة.

إن مبادرة الجامعة في احتضان هذه الطالبة، وتقديم كل ما يلزمها من دعم، تعكس وعيها برسالتها السامية، وتؤكد أن المؤسسات التعليمية الحقيقية هي التي تؤمن أن التعليم رسالة إنسانية قبل أن يكون مهنة، وأنه السبيل الأسمى لبناء العقول وتحرير الطاقات الكامنة.

ومن هنا، لم تعد قصتها مجرّد حكاية شخصية، بل غدت درسًا حيًّا في فلسفة العلاقة بين البصر والبصيرة؛ فكثير من المبصرين يفتقرون إلى وضوح الهدف، بينما هذه الطالبة الكفيفة تحمل في قلبها صفاء المقصد ووضوح الطريق، ما يجعلها قدوة لغيرها. إن حالتها تذكّرنا بأن البصر أداة حسّية، أما البصيرة فهي نعمة ربانية أعمق، لا تُمنح إلا لمن أخلص في طلب الحق وسعى نحوه.
هكذا، ارتبط اسمها  في ذاكرة زملائها وأساتذتها بالثبات والاجتهاد، وبقدرتها النادرة على الجمع بين نور القرآن في قلبها ونور العلم في عقلها. إنها ليست مجرد طالبة، بل رسالة حيّة لكل من يظن أن الإعاقة الحسيّة حاجز أمام النجاح: إن الإصرار إذا اقترن بالإيمان يفتح أبوابًا لا تفتحها العيون وحدها.
ويبقى العلم هو النور الأسمى، والبصيرة ضوءه العميق، والجامعة الحقيقية هي التي تدرك أن رسالتها لا تقتصر على المباني والمناهج، بل تمتد لتحتضن قصص الإلهام وتصنع منها نماذج مضيئة للأجيال.

تعليقات

الكلمات الدلالية