أ.د عصام اشويدر
رئيس شبكة الرواد الإلكترونية ورئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الانسان
بسم الله الرحمن الرحيم
"في زمن تتصارع فيه الأمم وتتقلب فيه الموازين، وتشتد الضغوط على الشعوب والحكام، تبرز حكمة القرآن الكريم كمنارة هادية تكشف سنن الله في الأرض وقوانين النهوض والسقوط."
مقدمة: عندما تتحدث الآيات عن اللحظات الفاصلة
قال الله تعالى: {وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (75)}
في هاتين الآيتين من سورة الإسراء، يضع الله عز وجل قانوناً كونياً خالداً يحكم مصائر الأمم والحضارات، قانوناً يتجاوز حدود الزمان والمكان ليصبح ميزاناً دقيقاً نزن به أحوال الحكام والمحكومين، الدول والشعوب، المقاومين والمتخاذلين.
إنها سنة الثبات والركون، تلك السنة الإلهية التي تكشف لنا سر قوة الأمم وضعفها، وتفسر لنا لماذا تنهض حضارات من تراب التاريخ، ولماذا تسقط إمبراطوريات كانت تهز الأرض بقوتها.
الآيات في سياقها الأصلي: درس للقيادة الرشيدة
نزلت هذه الآيات في لحظة حرجة من تاريخ الدعوة الإسلامية، حين اشتدت ضغوط قريش على النبي صلى الله عليه وسلم، وعرضوا عليه صفقات مغرية: اعتراف متبادل، تعايش سلمي، مكاسب اقتصادية، كل ذلك مقابل تنازل "بسيط" عن جوهر الرسالة.
لكن الآيات تكشف لنا حقيقة مذهلة: حتى سيد البشر صلى الله عليه وسلم، لولا تثبيت الله له، لكان عرضة للانزلاق في هذا المنحدر الخطير. فما بالنا بمن دونه من القادة والحكام؟
هنا تكمن العبرة الأولى: التثبيت الإلهي هو الحصن الوحيد ضد فتنة الركون، وهو ما يفسر لماذا نرى بعض القادة يصمدون في وجه أعتى الضغوط، بينما ينهار آخرون تحت أبسط الإغراءات.
فقه المصطلحات: فهم دقيق لمعادلة القوة والضعف
الثبات: أكثر من مجرد صمود
الثبات في القرآن ليس مجرد "عدم التحرك"، بل هو حالة ديناميكية فعالة تجمع بين:
- الوضوح الفكري: معرفة دقيقة بالأهداف والثوابت
- القوة النفسية: عدم الانكسار تحت الضغوط
- المرونة التكتيكية: القدرة على التكيف دون التنازل عن الجوهر
- الاستعانة بالله: إدراك أن المعركة أكبر من القدرات البشرية
- الركون: بداية السقوط المحتوم
الركون ليس مجرد "خطأ سياسي"، بل هو انحراف وجودي يبدأ بـ "شيء قليل" ولكنه يؤدي إلى انهيار شامل. وهو يتدرج عبر مراحل:
1. الميل النفسي: الانجذاب لحلول العدو "السهلة"
2. التبرير العقلي: إيجاد مبررات "منطقية" للتنازل
3. التطبيق العملي: البدء في خطوات "صغيرة" نحو العدو
4. الانهيار الشامل: فقدان كامل للهوية والاستقلالية
- السنن الكونية: قوانين ثابتة في عالم متغير
- سنة التدرج في السقوط
الآية تقول "شيئاً قليلاً"، وهنا إشارة عظيمة إلى أن السقوط الكبير يبدأ دائماً بخطوات صغيرة. العدو لا يطلب الاستسلام الكامل في البداية، بل يطلب "تنازلات بسيطة" تتراكم حتى تصبح استسلاماً كاملاً.
الأمثلة المعاصرة:
- اتفاقيات "السلام" التي تبدأ بـ"تطبيع العلاقات التجارية"
- القروض "التنموية" التي تتحول إلى أدوات هيمنة اقتصادية
- "التعاون الأمني" الذي يصبح تجسساً على الشعب لصالح العدو
- التنازل عن قطعة ارض لضرورة أمنية تنتهي بالإستلاء على الباقي
- سنة مضاعفة العذاب
"ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ" - هذا قانون إلهي صارم: من ركن للعدو يعاقب بضعف العذاب في الدنيا والآخرة. وهذا ما نراه في التاريخ:
في الدنيا:
- فقدان الاستقلالية السياسية والاقتصادية
- تمزق النسيج الاجتماعي والثقافي
- انهيار الثقة بين الحاكم والمحكوم
- تصبح الدول مرتع للجواسيس والطابور الخامس
- تحول الدولة إلى مجرد "أداة" في يد العدو
في الآخرة:
- المسؤولية المضاعفة للقادة الذين خانوا الأمانة
- العذاب الأشد لمن كان قدوة فأضل غيره
- سنة انقطاع النصير
"ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا" - هذا هو أخطر ما في الركون: أن الراكن يفقد نصرة الله، وبالتالي يفقد كل نصير حقيقي. العدو الذي ركن إليه لن ينصره عند الحاجة، والأصدقاء الحقيقيون سيتبرؤون منه، والله سيخذله عندما يحتاج النصرة أكثر ما يحتاجها.
- دروس التاريخ: عندما تتكرر المشاهد
- الأندلس: نموذج مكتمل للركون المتدرج
سقوط الأندلس لم يحدث في يوم واحد، بل كان نتيجة عملية ركون متدرجة امتدت قروناً:
•المرحلة الأولى - الركون الثقافي:
- انبهار النخب الحاكمة بالثقافة الإفرنجية
- تفضيل اللغات الأجنبية على العربية في البلاط
- محاكاة أنماط العيش الأوروبية
•المرحلة الثانية - الركون السياسي:
- ملوك الطوائف يستعينون بالممالك المسيحية ضد بعضهم
- دفع الجزية للقوى المسيحية مقابل "الحماية"
- توقيع معاهدات مذلة تحت ضغط التهديد
•المرحلة الثالثة - الانهيار الشامل:
- سقوط المدن واحدة تلو الأخرى
- محاكم التفتيش والقتل والتشريد
- محو الهوية الإسلامية من شبه الجزيرة الإيبيرية
•العبرة: لو ثبت المسلمون على دينهم وهويتهم، ولو وحدوا صفوفهم ضد
العدو المشترك، لما سقطت الأندلس. لكن الركون "القليل" في البداية أدى إلى الكارثة الكاملة.
- الدولة العثمانية: من القوة إلى "الرجل المريض"
العثمانيون الأوائل كانوا مثالاً رائعاً للثبات، لكن الأجيال المتأخرة وقعت في فخ الركون:
•الركون الاقتصادي:
- الاستدانة الثقيلة من البنوك الأوروبية
- منح امتيازات اقتصادية مجحفة للقوى الغربية
- فقدان السيطرة على الموارد الطبيعية
•الركون السياسي:
- قبول "الإصلاحات" المفروضة من الخارج
- تبني النمط الغربي في التعليم والإدارة دون تمحيص
- التنازل عن الخلافة تحت ضغط "التحديث"
•النتيجة: تفكك أعظم إمبراطورية إسلامية، وتقسيم أراضيها بين القوى الاستعمارية، وما زالت الأمة تدفع ثمن هذا الركون حتى اليوم.
- المشهد المعاصر: الثبات والركون في عصرنا
- نماذج الثبات المعاصرة
في وسط هذا المشهد القاتم، تضيء نماذج مشرقة للثبات، تجسد معنى الآية الكريمة وتبرهن أن الثبات على المبدأ هو طريق النصر الوحيد:
• فلسطين - غزة العزة:
رغم عقود من الحصار والحرب والتدمير، ثبتت المقاومة الفلسطينية على ثوابتها. لم تقبل بـ"حل الدولتين" المبتور، ولم تتنازل عن القدس، ولم تعترف بالكيان المحتل. والنتيجة؟ طوفان الأقصى الذي غيّر موازين المنطقة بأكملها.
• أفغانستان - الثبات الأسطوري عبر أربعة عقود:
يعد النموذج الأفغاني أروع مثال معاصر على قانون الثبات الرباني. فعلى مدى أربعة عقود، واجه الشعب الأفغاني أعتى القوى العالمية، ولم يركن لأي منها رغم الإغراءات والتهديدات:
ضد الاتحاد السوفيتي (1979-1989):
- رفض المجاهدون الأفغان كل العروض السوفيتية للمشاركة في حكومة عميلة
- صمدوا عشر سنوات كاملة ضد ثاني أقوى دولة في العالم
- لم يقبلوا بـ"الحل الوسط" الذي عرضه الروس في النهاية
- النتيجة: انسحاب مذل للاتحاد السوفيتي، وبداية انهياره وتفككه
ضد التحالف الدولي بقيادة أمريكا (2001-2021):
- واجهت طالبان وحلفاؤها أقوى تحالف عسكري في التاريخ
- رفضوا كل المساومات الأمريكية للمشاركة في نظام كرزاي
- صمدوا عشرين عاماً من القصف والحصار والحرب النفسية
- لم يتنازلوا عن مطلبهم الأساسي: الانسحاب الكامل للقوات الأجنبية
- النتيجة: الانسحاب المهين لأمريكا وحلفائها، وسقوط حكومة كابل خلال أسابيع
دروس من النموذج الأفغاني:
- الثبات على العقيدة والهوية الإسلامية كان المحرك الأساسي للمقاومة
- رفض كل أشكال الركون للعدو، حتى لو بدت "مفيدة" مؤقتاً
- الصبر الطويل والاستعداد لدفع الثمن الباهظ
- الثقة بأن النصر من عند الله وحده
العبرة الكبرى: الدولتان العظمتان اللتان احتلتا أفغانستان انهارتا بعد خروجهما منها! السوفيت تفككوا، والأمريكان دخلوا في أزمة حضارية عميقة. هذا هو معنى "ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ" للقوى التي تحارب المؤمنين الثابتين.
- نماذج الركون المأساوية
في المقابل، نرى نماذج مؤلمة للركون المعاصر:
• التطبيع المذل:
بعض الدول العربية ركنت للوعود الأمريكية والإسرائيلية، ووقعت اتفاقيات التطبيع مقابل وعود بـ"الازدهار الاقتصادي" و"الأمن الإقليمي". والنتيجة؟ مزيد من الهيمنة الصهيونية، وتراجع القضية الفلسطينية، وازدياد التبعية للخارج ، وانتشار الطابور الخامس
• الاستدانة المدمرة:
دول أخرى ركنت لوعود صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وقبلت بـ"الإصلاحات الهيكلية" المدمرة مقابل القروض. والنتيجة؟ انهيار الاقتصاد، وتفقير الشعوب، وفقدان السيادة الاقتصادية، وانتشار الفساد .
- الاستشراف المستقبلي: إلى أين نسير؟
- السيناريو الأول: مسار الثبات والنهضة
إذا اختارت الأمة طريق الثبات على ثوابتها، وتوحدت صفوفها، وطلبت التثبيت من الله، فإن المستقبل يحمل:
- على المستوى السياسي:
- ظهور قيادات ربانية ثابتة على المبدأ
- تحرر كامل من الهيمنة الغربية والصهيونية
- وحدة إسلامية تعيد للأمة مكانتها
- على المستوى الاقتصادي:
- اقتصاد مستقل قائم على الموارد الذاتية
- عدالة في توزيع الثروات
- نموذج اقتصادي إسلامي يقدم البديل للعالم
- على المستوى الحضاري:
- نهضة علمية وثقافية حقيقية
- استعادة الريادة في العلوم والتكنولوجيا
- نموذج حضاري يجذب الشعوب المقهورة
- السيناريو الثاني: مسار الركون والانهيار
أما إذا استمر الركون للأعداء، واشتد التفرق، وغاب التثبيت الإلهي، فإن المستقبل ينذر بـ:
- التفتت السياسي:
- مزيد من تقسيم الدول العربية والإسلامية
- حكومات عميلة تابعة بالكامل للغرب وإسرائيل
- ضياع كامل للهوية الإسلامية
- الاستعباد الاقتصادي:
- اقتصاديات تابعة بالكامل للمراكز الرأسمالية
- استنزاف كامل للموارد الطبيعية
- فقر مدقع للشعوب وثراء فاحش للنخب العميلة
- الاندثار الحضاري:
- اختفاء اللغة العربية لصالح الإنجليزية
- تحويل المساجد إلى متاحف
- ذوبان كامل في الحضارة الغربية
- خلاصات استراتيجية: دروس للقيادة والشعوب
- للقيادات السياسية والدينية:
1. اطلبوا التثبيت من الله أولاً: فالقيادة أمانة عظيمة، والضغوط شديدة، ولا عاصم إلا بالله
2. احذروا من "الشيء القليل": فالعدو ماكر، يطلب تنازلات صغيرة تتراكم لتصبح استسلاماً كاملاً
3. استشعروا المسؤولية المضاعفة: فعذاب القائد الذي يضل أمته أشد من عذاب غيره
4. اعتمدوا على الله وحده: فمن اعتمد على العدو خذله، ومن اعتمد على الله نصره
- للشعوب والأمة:
1. كونوا سنداً للقيادة الثابتة: فالقائد الثابت يحتاج لشعب ثابت يدعمه
2. احذروا من دعاة الركون: الذين يبررون التنازل بـ"الواقعية" و"المصلحة"
3. تمسكوا بهويتكم: فالهوية هي خط الدفاع الأول ضد الذوبان
4. ادعوا الله بالتثبيت: فالدعاء سلاح المؤمن الذي لا يصدأ
- للمقاومين والمجاهدين:
1. الثبات قبل القتال: فالمعركة الحقيقية هي معركة الثبات على المبدأ
2. لا تركنوا للوعود الكاذبة: فالعدو لا يحترم إلا القوة
3. اجعلوا المقاومة جهاداً شاملاً: سياسياً وثقافياً واقتصادياً وعسكرياً
4. استعدوا للماراثون: فطريق التحرير طويل، والثبات هو زاد الطريق
- خاتمة: نحو فجر جديد
-إن الآيات الكريمة التي تناولناها ليست مجرد نص تاريخي، بل هي خارطة طريق للمستقبل، وقانون إلهي يحكم مصائر الأمم. وإننا اليوم نقف على مفترق طرق حاسم: إما الثبات والنهضة، وإما الركون والانهيار.
-والتاريخ يعلمنا أن الشعوب التي تثبت على مبادئها، وتطلب العون من الله، وتوحد صفوفها في وجه الأعداء، هي التي تصنع النصر وتكتب التاريخ. أما التي تركن للأعداء طمعاً في مكاسب زائلة أو خوفاً من تهديدات واهية، فمصيرها الذل والهوان في الدنيا والآخرة.
-إن الأمة الإسلامية اليوم تحتاج إلى ثورة في الوعي، ثورة تعيد لها فهم سنن الله في الكون، وتكشف لها طريق النهضة الحقيقية. ثورة تبدأ بالعودة إلى كتاب الله وسنة رسوله، وتنتهي ببناء حضارة إسلامية جديدة تقود العالم نحو العدل والخير والسلام.
{وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا}
فاللهم ثبتنا على دينك، واجعلنا من أنصار الحق، ولا تجعلنا من الراكنين إلى الذين ظلموا.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اكتب مراجعة عامة