ثلاثمِائة وخَمْسة وَسِتّين كِيلو مِتْر مُرَبَّع،
تَحْـوي هَذه البُقْعَة ما يُعادِل مليونَين وثلاثَ مائة إنسان.
عاشُوا على هَذه الأرض في مساحاتٍ محدودة، معدودة بالسنتيمتر؛ من الشَّرقِ إلى الغَـرب، ومن الشَّمالِ إلى الجَنُوب،
في حِصارٍ دام ما يَقْرب من سبْعَـة عَشَـر عام.
سَلَفَ هذه السِّنين، سُنونٌ من القتل، والأسر، والتشريد، والتدمير، وحِصَارٍ غَيرِ ملحوظ - من خارج غَزّة -،
فلاحَ في الأُفُقِ شيخٌ قَعِيد، لا يَملكُ إلا قَلبًا حَيًّا، وبَصِيرةً أغْنَتْه عن بَصَرِه العَليل أيضًا؛
صَائِحًا بعَزْمٍ وهِمّةِ رجلٍ غَيورٍ على دِينه:
"لا يَفلّ الحَديدَ إلا الحديدُ... دَمٌ بِدَم، والحَـربُ عليهم سِجَال، والغَلبَةُ لنَا - بإذن اللّٰه -".
سنواتٌ من التربية والإعداد في بيوتِ الله؛
علَّمَتْهُم معنى الكرامة، والحرّية، والثأر،
علَّمَتْهُم أنَّ الإسلام يعني العِزّ، والإباء، والعُلوَّ على الكافرين،
وأنّه لا يَنبغي لك - إذا أوذيتَ في دينك ومالكِ وعِرضك وحُريتك - أنْ تَرشَّ الوردَ على مُؤذيك، أو تُقبِّل أقدام قاتليك؛
بل الإسلام: أنْ تُذِلَّ أُنُوفهم، و تَحُطّ من قَدْرِهم، وتُسلِّطَ عليهم خَيلك ورَجلك، وتُصوِّبَ نحو رؤوسهم رصاصًا، وتُحِدَّ على أعناقهم نِصالًا؛ فلا يَعلونَ علينا أبدًا.
سَمِعُوا، وأطاعُوا، وبايَعُوا، وشدُّوا الوَثَاق،
حتى يفرَّ هذا المُحتلّ عن أرضهم،
وكأنهم سَعْدُ بنُ مُعاذ يومَ بدر، حين قال للنبي ﷺ مُبايعًا على الجهاد والقتال:
" لو استعرضتَ بنا هذا البحر فخضتَه لخضناه معك، ما تخلّف منّا رجلٌ واحد.
وما نكره أن تلقى بنا عدوّنا غدًا، إنّا لصُبُرٌ في الحرب، صُدُقٌ عند اللقاء،
ولعلّ الله يُريك منّا ما تقرّ به عينك.
فسِرْ بنا على بركةِ الله."
قُضِيَ نَحبُ الشيخِ على هذا الطَّريق،
وما كان لأولئك الأشراف - إذ عاهدوا - أن يَخونوا،
وإذ بايعوا، أن يَنقُضوا؛
مَضَوا على بركةِ الله بعده،
فحفظوا العهد، والثأر،
وتبايعوا على إحدى الحُسنَيَين: "نصرٌ أو شهادة".
وما خلت البَيْعة من الأمهاتِ والزَّوجات؛
فبايَعْنَ على "الصَّبر والثَّبات وإعداد الأجيال"،
وبايعَ الأطفال أنْ يَخْلفوا مَن سلف، حين تَشتدُّ الأعواد،
وأمّا الأرض؛ فبايَعَت أن تحفظَ الأثر، وتُنبت من الدّماء نَخيلًا.
سَبْعة عَشـر عامًا من الإعداد، والتربية، والإمداد، يَرتقي الواحد منهم؛ فيخلفه عشَـرة أشدُّ و أعتَى، و يعلوهم شعار:
"قُرآنٌ وسيف.......... ...،نحنُ الذين بايعوا محمدًا على الجهاد ما حيينا أبدًا".
تُسردُ عليهم قصصُ الصحابة،
فتفور الدّماءُ في أَودَاجِهم غيرةً وغِبطة،
ولسان حالهم:
"أَيَحْسَبُ أصحابُ محمدٍ أن ينفردوا به دوننا؟!"
والله، لنَمضيَنّ، ونُسارعُهم الخُطى، ونقتفي الآثار؛
حتى نُريَ اللهَ ورسوله منّا ما يُسكنُنا الفردوس، ويَحشُرَنا في زُمَرِ الشهداء".
مضى الإعداد،
وآن وقتُ الإقدام،
فجاسوا خلالَ الدِّيار، قاتلوا وقُتلوا، لاقَوا أعداءَهم، فضربوا أعناقهم، وما بدّلوا تبديلا.
دخلوا عليهم الباب،
فسامُوهم سوءَ العذاب،
اقتحموهم، فغنموهم،
ومَحَوا أسطورةً زعمها المُحتلّ عن نفسه، فصدّقها العالم، وتوجّس بها.
وما كان لهذا الحدثِ الجليل، والنصرِ المُبين أن يمضي دون ردةِ فعلٍ هَوجاء؛
نالت فقط من الأبرياء، ورمّلت النساء، ويَتَّمت الأطفال،
ونالت من عافية الهَرِمين.
لم يسلم من بطشِ بني صهيون حجرٌ أو شجر؛
بيوتٌ أُحيلت رمادًا على رؤوس العُزّل الأبرياء،
خرابٌ وتدميرٌ ،
حتى المشافي، ومراكز الإيواء والتعليم، لم تنعم بالأمن؛
يَنزِل عليها الصاروخ، فيطويها كطَيّ السِّجلّ للكتب،
وبين رِدماتها:
"قَدَمٌ مَبتورة، ودمعةٌ مَحجورة، وصَرْخةٌ غُصَّت في الحَلقِ قبل أن تَخرج،
وحُلمٌ طويل، وقصصٌ لم تكتمل"
يطوف حولها:
"جوعٌ، وتشريد، وفقد، وجِراحٌ غائرة"
ويحفُّ ذلك كلّه:
"هَوانٌ مرير يُطـبِقُ عَلىٰ أَنْفَاسِهم ، لا مُنَاصِر و لا مُعِـين، كُلُّ النَّاسِ يَرَونَهُم فُراسَانًا من حَدِيـدٍ"
فنادَى المُنادون:
"يا مَن تُشاهدون:
إنَّنا - والله - بَشَرٌ عاديّون؛
لحمٌ ودم، وقلبٌ يتقلّب بين أصابع الرّحمٰن.
انظُروا! هذه أمٌّ تحتضنُ رُفات ولدها بعدما أَرِمَ، ولم تملك وداعه يومَ قُتل،
وهذه أرملة، قُتل زوجُها في الحرب، تبكي قلة حيلتها و أطفالها الجِياع،
وهذه مفجُوعة، وتلك موجوعة بلا علاج، وهذه ثكلى، وهذا مفقود،
وتلك الصورة لا يُعرف أَصاحبها: أسيرٌ أم شهيد؟،
وأما هذا؛ فقد اعتلاه قهرُ الرجال.
فهلا فزعتم لنا؟!"
وكسنّةِ الله في الخلق؛
تتنوع ردّاتُ الفعل بين:
متخَاذِلِين،
وقومٍ مساكين؛ تفيض أعينهم من الدمعِ عجزًا؛ إذ لا يدرون كيف يفزعون ويُناصرون.
فما كان لغَزّةَ، وجراحِ أهلها،
إلا شبابها المُزهِرون؛
زهدوا في كلّ ما في الدنيا؛ طمعًا في ما عنده - سبحانه -،
اشتروا راحةَ الآخرةِ بكَدَرِ الدنيا وكَبدِ الجهاد،
صبروا في كلّ الفصول،
وصمدوا في وجه الصعاب،
بخّروا معنى المستحيل،
وأقاموا الحجةَ على كلّ خائن وعميل،
فَسّروا عمليًا بدمائهم قولَ الله:
{وَمَا النَّصْرُ إلَّا مِنْ عِنْدِ اُللّٰهِ، إنَّ اُللّٰهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}
كتبوا المجدَ بدمائهم،
وسارعوا إلى منازلِ الصحابة بأشلائهم،
أرَوا اللهَ في عليائه من أنفسهم خيرًا؛
فنكّل اللهُ بهم المتخَاذلين،
وأذلّ بهم المعتدين،
ونكّس بهم رايةَ المتكبّرين.
لسانُ قلبهم في الميادين:
"اللهُ ناصرُنا، ولا سِواه؛
اللهُ مولانا، ولا مولى لهم".
لكن، طال العناء،
واشتدّ الكرب،
وكثُر الخَبث.
وإنِّي أُعيذك بالله أنْ تظُنَّ ذلك يأسًا؛
كلا، فالنصر لا محالة قادم - بإذن الله -،
لكن:
بلغ صبرُ الحليم ذروته،
والألمُ مداه،
والبطشُ عُنفوانه،
والجوعُ أصبح مَسغبةً، ثمّ موتًا.
كان لا صوتَ يعلو فوق صوت القصف، والتدمير، والنحيب؛
أما اليوم، فلا صوت يعلو فوق صوتِ البطون المجوّعة بلا مُؤازِرٍ و نصير!
عامان من الفقد، والتشريد، والنزوح، والتدمير، والقتال بلا كَرٍّ أو فَرٍّ،
ويشتدّ فيهما الآن بئسُ الضجيع.
فَهلا نظرتَ موقِعَك، وفتّشتَ عن ثغرِك، فتلزمه؛ حتى إذا حان التمكين، لا يُلوّح لك في صفوف الخائنين المتخاذلين؟
اكتب مراجعة عامة