الستر في مفهومه القرآني والاجتماعي ليس مجرد حجاب مادّي، بل هو منظومة حماية شاملة للفرد والمجتمع. في علم النفس الاجتماعي، يُعدّ الستر شكلًا من أشكال "ضبط الذات"، ويؤثر في بناء الهوية وتشكيل الصورة الذاتية، كما يُسهم في تعزيز احترام الذات والشعور بالأمان الشخصي.
الهوية والخصوصية:
تشير النظريات المعاصرة إلى أن الحفاظ على "الحدود النفسية والجسدية" يعزّز الإحساس بالسيطرة على الذات، وهو ما يسمى self-boundaries. الفتاة التي تُربّى على معنى الستر، لا تشعر أنها مُجرّد موضوع نظرة، بل تُدرك أنها "ذات فاعلة"، تختار كيف تظهر، ومتى، ولمن.
الأنوثة الهادئة مقابل التسليع الجسدي:
في مجتمع يروّج لصورة "المرأة المرئية دائمًا"، يصبح الستر موقفًا نقديًا عميقًا. فالمرأة المستترة تمارس ما يسمى التمكين الصامت؛ أي رفضها أن تكون موضوع استهلاك بصري أو ثقافي. وتشير دراسات إلى أن النساء اللواتي يُعبّرن عن أنوثتهن بأسلوب داخلي ناضج أقلّ عرضة للقلق الاجتماعي والتقليد القهري للمؤثرات الخارجية.
الستر كمانع للتشييء (objectification):
تُظهر أبحاث علم النفس النسوي (Feminist Psychology) أن تقديم المرأة في الخطاب البصري كجسد عارٍ يؤثر على تقديرها لذاتها، ويُعرّضها لما يسمى النظرة التشييئية (objectifying gaze)، وهي نظرة تقلّل من قيمتها الإنسانية وتحصرها في مقاييس شكلية. الستر هنا يصبح مقاومة ذكية لهذا النمط المختزِل.
الستر والطمأنينة المجتمعية:
في السياقات المجتمعية، يُسهم الستر في تقليل السلوكيات التي تُعرّض العلاقات البشرية للاختراق والفوضى، مثل التنافس الاستعراضي، والتحرش، والمقارنات المضنية. فالستر يُعيد ضبط "الإشارات الاجتماعية" ويُسهم في تكوين بيئة آمنة ومتوازنة، خصوصًا في المدارس والجامعات وأماكن العمل المختلطة.
وقد نبّه النبي ﷺ إلى هذا البُعد النفسي عندما قال:
"إن الله حييّ ستير يحب الحياء والستر"
فالحياء ليس عقدة نفسية، بل ترسيم ذكي للحدود، ومصدر قوة داخلية.
في ضوء علم النفس الاجتماعي، الستر ليس قيدًا خارجيًا، بل تنظيم داخلي يعزز الاستقرار النفسي والاجتماعي. وهو استباق ذكي للفوضى العاطفية والسلوكية التي نشهدها في مجتمعات الانكشاف.
اكتب مراجعة عامة