img
img

من إسقاط الربيع العربي إلى حصار غزة: كيف ساهمت الأنظمة الديكتاتورية في إطالة أمد الحرب

img
منصة مفكر

من إسقاط الربيع العربي إلى حصار غزة: كيف ساهمت الأنظمة الديكتاتورية في إطالة أمد الحرب

أ. مروان البحري
منسق منصة مفكر
باحث في القانون الإقتصادي
محلل سياسي تونسي


المقدمة

في قلب المشهد الإنساني والسياسي المعقد الذي يشهده الشرق الأوسط اليوم، تبرز غزة كواحدة من أكثر القضايا تعقيدًا وإلحاحًا.
الكارثة الإنسانية التي تتكشف يوميًا في القطاع، من دمار شامل، ونزوح قسري، ووفاة أطفال أبرياء، ليست مجرد نتائج الحرب عسكرية تقليدية، بل هي تجلٍّ لعمق الأزمة السياسية التي تعصف بالمنطقة.
إن الفهم الحقيقي لأزمة غزة يتجاوز الحسابات العسكرية الضيقة، ليصل إلى قراءة نقدية شاملة للدور الذي لعبته الأنظمة الديكتاتورية في العالم العربي، خصوصًا بعد فشل الربيع العربي. فهذه الأنظمة، التي استثمرت كل مواردها لقمع التحولات الديمقراطية، لم تُجرد شعوبها فقط من حقها في الحرية، بل سعت إلى عزل فلسطين سياسيًا واجتماعيًا، وحجرت دعم المقاومة، ما ساهم بشكل مباشر في إطالة أمد الحصار والحرب على غزة.
هذا التحليل يستند إلى معطيات دقيقة من استطلاعات الرأي التي توثق تراجع المشاركة السياسية والتضامن الشعبي، في مقابل بقاء القضية الفلسطينية حاضرة في الوعي، لكن مع فقدان أداة الفعل الجماعي السياسي، الذي يُعدّ عنصرًا أساسيًا في تغيير المعادلات.
إن إدراك هذا التداخل العميق بين قمع الحريات الداخلية وعزل القضية الفلسطينية هو مفتاح لفهم لماذا تستمر مأساة غزة رغم كل الدعوات والبيانات.
الربيع العربي… حين اقتربت فلسطين من التحرر السياسي
في هذا العام، عادت فلسطين بقوة إلى مركز الخطاب السياسي والشعبي، حيث انتشرت الأعلام الفلسطينية في ساحات التحرر، وارتبطت مطالب الحرية الداخلية بشكل وثيق بمساندة القضية المركزية للأمة.
الدراسات الميدانية في تلك الفترة تظهر أن ما بين 86% و98% من العرب كانوا يتابعون أخبار الثورات، وكان الحماس والتأييد الشعبي واضحين (Pew Research, 2011).
هذه النسبة المرتفعة تكشف عن رابط قوي بين الحركات الشعبية وقضية فلسطين، ما جعل الأنظمة الحاكمة تشعر بتهديد مزدوج: قلق داخلي من سقوط حكمها، وقلق إقليمي من تحول القضية الفلسطينية إلى محور فاعل في صياغة مستقبل المنطقة.
هذه اللحظة تمثل فرصة ضائعة، حيث كان يمكن للربيع العربي أن يعيد إحياء الدعم السياسي والمؤسساتي لفلسطين على أساس شعبي وديمقراطي، إلا أن الأنظمة (المسنودة بتوجيهات الغرب) قررت التحرك بسرعة لقمع الحراك قبل أن يتسع ويتحول إلى موجة لا يمكن السيطرة عليها.

لم يكن عام 2011 مجرد نقطة انطلاق لاحتجاجات ضد الأنظمة الحاكمة، بل لحظة تاريخية أعادت ترتيب أولويات الشعوب العربية.


الثورة المضادة وعزل غزة

مع بدايات 2013، تغيرت قواعد اللعبة بالكامل. شهدت المنطقة موجة من القمع العنيف للمتظاهرين وفرض إجراءات صارمة على العمل السياسي المدني. ولم يعد التعبير عن التضامن مع فلسطين مجرد فعل سياسي، بل جريمة يعاقب عليها القانون في كثير من البلدان.
وقد انعكس ذلك على غزة بشكل مباشر من خلال إغلاق المعابر الحدودية خاصة معبر رفح، الذي يعتبر شريان الحياة الوحيد للقطاع. وكانت سياسات “السيادة الوطنية” التي تذرعت بها الأنظمة في تبرير هذه الإجراءات، في الواقع أدوات لقمع التحركات الشعبية ومنع أي دعم مباشر للمقاومة، بالإضافة إلى التنسيق الأمني غير المعلن مع الكيان.
هذا الإغلاق السياسي والاقتصادي أدى إلى تفاقم أزمة غزة، إذ أصبح القطاع محاصرًا ليس فقط جغرافيًا، بل أيضًا سياسيًا، حيث فقد الفلسطينيون كل أدوات الضغط والتمثيل التي كانت تمنحهم صوتًا في السياسة الإقليمية والدولية.

تطبيع الأنظمة وتغيير بوصلة الوعي

شهد العقد الماضي موجة متصاعدة من التطبيع بين بعض الدول العربية والكيان الصهيوني، والتي لم تكن مجرد اتفاقيات دبلوماسية بقدر ما كانت عملية إعادة تشكيل للرواية السياسية حول القضية الفلسطينية.
وباتت الحكومات الرسمية في بعض الدول تبتعد تدريجيًا عن الخطاب الذي يدافع عن الفلسطينيين، بل تحولت أحيانًا إلى مهاجمة المقاومة، واعتبارها مغامرة قد تضر بمصالح الأمن والاستقرار. هذه التحولات، التي كانت قائمة على مبدأ العدالة والحقوق، وحولت القضية إلى ملف عالق بين مصالح دولية وإقليمية.
كما لعب الإعلام الرسمي، كجزء من هذه الاستراتيجية، دورًا رئيسيًا في صياغة رأي عام محلي يميل إلى قبول الوضع القائم، أو على الأقل الاكتفاء بالشجب الرمزي. وهذا أدى إلى عزلة سياسية وشعبية لفلسطين، وإن كانت الشعوب العربية لا تزال تدعم القضية من حيث المبدأ.

المحاور الإقليمية وإعادة تشكيل المشهد

بعد الثورة المضادة، ظهرت تحالفات إقليمية جديدة هدفت إلى تثبيت أوضاع الأنظمة القائمة على حساب القضية الفلسطينية. وساهم التعاون الأمني والاستخباراتي مع الاحتلال تحت غطاء مكافحة الإرهاب، في تحييد موقف الدول العربية إزاء العدوان على غزة.
واستغلت مؤسسات العمل العربي المشترك في إصدار بيانات شكلية تفتقر إلى المصداقية، وتحولت إلى أدوات للتهدئة بدلًا من الضغط الحقيقي. هذه الاستراتيجيات أضعفت أي جهد للتضامن السياسي الحقيقي، وجعلت من غزة قضية خارج أولويات السياسة العربية الرسمية.

تفكيك البنية الشعبية الداعمة لفلسطين

العمل الشعبي كان من أهم أدوات دعم القضية الفلسطينية، فقد شكلت المسيرات والفعاليات الجماهيرية، والمقاطعة الاقتصادية، وسيلة ضغط حقيقية على الحكومات والاحتلال على حد سواء.
لكن بعد الثورة المضادة، جرى استهداف النقابات والجمعيات، وتم تفكيك النسيج المدني المنظم، ما أدى إلى تراجع المشاركة في العمل المدني إلى نسب منخفضة لا تتجاوز 16% في كثير من الدول (Arab Center DC, 2018).
هذا التفكيك خلخل آليات الدعم الجماهيري، وجعل القضية الفلسطينية تفقد أهميتها السياسية على الأرض، رغم استمرار الدعم المعنوي الكبير من الشعوب.

صناعة الأولويات الزائفة

مع تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، استغلت الأنظمة هذه الظروف لإعادة توجيه اهتمام الشعوب نحو “الأزمات الداخلية” مثل الأمن الغذائي، البطالة، والصراعات الطائفية، ما جعل الفلسطينيين يقاتلون وحدهم في ظل غياب التركيز الجماهيري العربي على قضيتهم. 
الخطاب الرسمي يكرّر باستمرار أن فلسطين “ليست أولوية في الوقت الراهن”، وهو خطاب موجه لإفراغ القضية من فعاليتها السياسية. رغم ذلك، تؤكد الاستطلاعات الحديثة أن أكثر من 90% من العرب ما زالوا يعتبرون فلسطين قضية مركزية (Doha Center, 2023).

“بين الشارع الغربي والشارع العربي: فجوة الحرية وصناعة الصمت”

تثير قدرة الشعوب الغربية على الانتفاض والتعبير عن مواقفها المناهضة لسياسات حكوماتها المساندة للكيان الصهيوني سؤالًا جوهريًا عن غياب ردّ الفعل الشعبي المماثل في العالم العربي. فبينما ينزل المواطن الغربي إلى الشارع بثقة، مدعومًا بضمانات دستورية وقوانين تحمي حرية التعبير والاحتجاج، تعيش الشعوب العربية تحت أنظمة نجحت، على مدار عقود، في تفكيك أدوات الاحتجاج وتجريم أي تعبير جماعي خارج الإطار الرسمي. هذه الأنظمة لم تكتفِ بالقمع المباشر، بل عملت على إنتاج ما يمكن تسميته بـ”أحزمة المنافقين”، من نخب وإعلاميين وفاعلين سياسيين، وظيفتهم تبرير سياسات الحاكم، وتزيين قراراته، وإضفاء شرعية زائفة على مواقفه، حتى وإن كانت على حساب القضايا المصيرية للأمة. والنتيجة أن الشارع العربي، بدل أن يكون قوة ضغط على الحاكم، تحوّل – في كثير من الحالات – إلى ساحة صمت أو حتى إلى أداة من أدواته.


الدور الغربي في إدامة الصراع


لا يمكن فهم استمرار مأساة غزة بمعزل عن البعد الخارجي، حيث لعبت القوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، دورًا محوريًا في إدامة الصراع وتعقيد فرص حله. 
فمنذ عقود، حافظت واشنطن على انحياز استراتيجي لصالح الاحتلال الإسرائيلي، سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، تحت لافتة “ضمان أمن إسرائيل”، وهو ما ترجم عمليًا إلى حماية دبلوماسية في مجلس الأمن، وتدفق غير منقطع للمساعدات العسكرية التي تجاوزت قيمتها 150 مليار دولار منذ 1948.
لكن المسألة تتجاوز الدعم المباشر لتل أبيب، إلى هندسة منظومة إقليمية تضمن بقاء الصراع ضمن سقف يمكن التحكم فيه. فإسقاط موجات الربيع العربي لم يكن مجرد استجابة لمخاوف الأنظمة، بل كان نتاج تحالف مصالح بين قوى داخلية وخارجية سعت إلى إعادة المنطقة إلى معادلة “الاستقرار السلطوي”، حيث تُختزل الديمقراطية في ديكور شكلي، وتُجرَّد الشعوب من أدوات التأثير السياسي، وتُدفع القضية الفلسطينية إلى الهامش.


وفي هذا الإطار، ساهمت الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون في إعادة تأهيل أنظمة الاستبداد، عبر الدعم المالي والعسكري، وغضّ الطرف عن الانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان، ما وفّر بيئة مثالية لتهميش النضال الفلسطيني، وتحويل غزة إلى ساحة اختبار للأسلحة والعقائد القتالية، بدل أن تكون جرحًا نازفًا في الضمير العالمي.


الخاتمة من الحصار إلى إرهاصات التغيير

غزة ليست مجرد جغرافيا محاصرة، بل ميزان أخلاقي وسياسي يكشف صدق الشعارات ووزن الضمائر، ويفضح زيف نظام دولي يتشدق بحقوق الإنسان بينما يصمت أمام الإبادة. إن إسقاط الربيع العربي لم يكن حدثًا معزولًا، بل جزءًا من مشروع أكبر لإعادة رسم أولويات المنطقة، وتحييد القضية الفلسطينية من مركز المشهد، وتحويلها إلى ملف ثانوي بين أزمات مصطنعة وأولويات زائفة.

لكن رغم هذا الحصار المزدوج، من الاحتلال ومن الأنظمة المتسلطة، يبقى في المشهد بصيص أمل يتسع كلما تصاعدت موجات الغضب الشعبي ورفض التطبيع، وكلما اهتزت مسلّمات القبول بالأمر الواقع. فـ”طوفان الأقصى” لم يكن مجرد معركة عسكرية، بل كان حدثًا مفصليًا أعاد تشكيل وعي المنطقة، وكسر حاجز الخوف، وذكّر الشعوب بأن استعادة فلسطين لا تنفصل عن استعادة حريتها الداخلية.

لقد جاء هذا الطوفان ليضعنا أمام شروط جديدة قد تسرّع نهاية “المُلك الجابر” وبداية إرهاصات ولادة الخلافة الراشدة على منوال النبوة، وهي مسيرة قدرية تسير بإرادة ربانية، لن توقفها جيوش الكيان ولا عروش الحكام. وفي هذا الطريق، فإن تحرر الأمة من الاستبداد سيبقى البوابة الحقيقية لتحرر فلسطين، واستعادة مكانتها كقضية مركزية توحّد الصفوف وتعيد المعنى إلى النضال العربي والإسلامي.

تعليقات

الكلمات الدلالية