img
img

من الركام إلى الإنصاف - العدالة الانتقالية في موازنات ما بعد الحرب

img
المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان

من الركام إلى الإنصاف - العدالة الانتقالية في موازنات ما بعد الحرب

د. محمد جلال الأحمد

أكاديمي سوري


حين تخرج الأمم من الحروب، لا تخرج ببساطة كما كانت من قبل. بل تخرج مثقلة بجراحها، منهكة في مؤسساتها، ومهزوزة في يقين شعوبها. في هذه اللحظات الحرجة من تاريخ هذه الأمم ، لا يكفي أن يُزال الركام من الشوارع، ولا أن يُعاد طلاء الواجهات المحروقة. بل المطلوب أعمق من ذلك بكثير... المطلوب هو أن نعيد لهذه الشعوب انتماءها لوطنها أولاً ولحكوماتها ثانياً بعد سنوات من الصراع كانت فيه هذه الأطراف طرفي نقيض..

فعلينا أن نرمم العلاقة المكسورة بين المواطن ودولته، أن يُعاد تعريف الدولة كراعية، وأحد أدوات تحقيق هذه الرعاية هو#الإنفاق_العام.

في هذا السياق، يظهر مفهوم العدالة_الانتقالية في الإنفاق العام ليس كمجرد أداة مالية، بل كجوهر سياسي وإنساني في مرحلة ما بعد النزاع. تلك اللحظة التي تُطرح فيها الأسئلة الحقيقية: لمن تُصرف الموازنات؟ ومن يقرر الأولويات؟ وأين تذهب أموال الدولة بينما ما زالت خيام النازحين مشرّعة للريح؟

العدالة في الإنفاق ليست معادلة رقمية تُضبط في وزارة المالية، بل هي انحياز أخلاقي للذين دُمرت بيوتهم، وشرّدت عائلاتهم، وتراكمت على صدورهم سنوات من التهميش والإقصاء. إنها تصحيح لمسار طويل من سوء التوزيع، ومداواة لجراح لا تُشفى بالبيانات الرسمية.

وقد أدركت دول كثيرة هذه الحقيقة بعد أن خرجت من أزماتها...

ففي جنوب أفريقيا، حين انهار نظام الفصل العنصري، لم تكن المصالحة كلمات تقال في الإعلام، بل موازنات وُجهت للمدارس في الأحياء السوداء، وضرائب فُرضت على الشركات التي راكمت أرباحها في عهد الظلم، وتعويضات دُفعت للضحايا لا لتكفيهم، بل لتقول لهم: نراكم

وفي رواندا، تلك الدولة التي خرجت من أفظع إبادة جماعية في أفريقيا، اختارت أن تبدأ من قراها هناك حيث استثمرت في مشاريع صغيرة، ومنحت الأيتام فرص التعليم، وجعلت من كل شارع وسوق ومستوصف وعدًا بالحياة.

وفي البوسنة، لم تكن الدولة وحدها من يُقرّر أين يُبنى الطريق، بل صندوق وطني بإشراف مشترك حرص على ألا تُنسى مدينة لأنها كانت "مع الطرف الخطأ" في الحرب. 

أما تيمور الشرقية، فاختارت أن تبدأ من أبسط الحقوق: أن تُشغّل الناس في مشاريع مدفوعة الأجر تعيد لهم كرامة العمل بعد سنوات الاحتلال. 

 وفي كولومبيا، الدولة التي نزفت نصف قرن من الحرب، كانت أولى خطواتها بعد توقيع السلام أن تُخصص أكثر من نصف إنفاقها الاستثماري للمناطق التي كانت محرومة من كل شيء، حتى من الدولة ذاتها.

ليست هذه التجارب مثالية بكل تأكيد، لكنها كانت تقول لشعوبها شيئًا واحدًا.. #نراكم

ولا يكتمل هذا كله دون شفافية. ففي الدول الخارجة من النزاع، حيث الفساد غالبًا ما يكون متجذرًا، تكون العدالة في الإنفاق غير كافية إن لم تُحاط بشبكة قوية من الرقابة والشفافية. وهنا، برزت تجارب ملهمة في السنوات الأخيرة. 

ففي أوكرانيا، وبعد ثورةٍ قلبت موازين السلطة، أطلقت الدولة منصة ProZorro، وهو نظام رقمي مفتوح أتاح للمواطنين مراقبة كل عقد وكل صفقة شراء حكومية، فكان أن تراجع الفساد في المشتريات العامة بنسبة ملحوظة، لا لأن الجميع أصبح نزيهًا فجأة، بل لأن الجميع صار مرئيًا.

وفي نيجيريا، تلك الدولة التي طالما نُهبت ثرواتها، خرجت مبادرة شبابية بتطبيق رقمي اسمه BudgIT، يُبسّط الموازنة للمواطن بلغة يفهمها، ويكشف له، بالخرائط والرسوم، أين تُصرف الأموال، ومن يحظى بها. لم يعد المال العام لغزًا، بل قضية رأي عام.

وكذلك كينيا بدورها استخدمت الخرائط كأداة مقاومة. ليس لرسم الحدود، بل لتحديد مواقع الإنفاق. فأصبح في إمكان أي مواطن أن يرى إن كانت مدرسته حظيت بميزانية ترميم، أو أن مشفى قريته أُدرج فعلًا في الموازنة أم بقي حبرًا على ورق.

حتى تونس، بعد ثورتها، خاضت تجربة مماثلة، عبر منصة Marsad Budget، حيث أصبح من السهل على الصحفيين والناشطين تتبع كل بند من بنود الإنفاق، وكشف أوجه التلاعب أو التوجيه السياسي غير المشروع.

هذه الأمثلة تؤكد أن الشفافية ليست خيارًا تقنيًا، بل وسيلة مهمة لإعادة انتماء المواطنين إلى دولتهم ولتوجيه الأداء الحكومي بشكل صحيح تجاه كامل الوطن وأبناءه. فحين يرى المواطن المال العام يُصرف لأجله، وبمشاركته، وتحت رقابته، تعود له الثقة. وحين يشعر أن دولته لا تُخفي عنه شيئًا، يبدأ بالتصالح معها.

لهذا، فإن العدالة الانتقالية في الإنفاق العام ليست مسألة مالية، بل إعلان سياسي بأن هذه الدولة اختارت أن تبدأ من جديد. ففي لحظات إعادة الإعمار، تقف الدول أمام خيارين: إما أن تنحاز للفئات المحظوظة وتعيد تدوير أدوات التمييز والفساد، أو أن تنحاز لشعبها، بكل مكوناته، وتبدأ من الإنسان...من القاع لا من القمة.

تعليقات