img
img

مقال: العلماء حماة وقادة الأمة

img
الشبكة

مقال: العلماء حماة وقادة الأمة

أ.د. عصام اشويدر
رئيس شبكة الرواد الإلكترونية
ورئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان


بسم الله الرحمن الرحيم  

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.  

أما بعد،  

فإن القول بأن واجب العلماء يقتصر على تدريس الشرع وتوضيح الأحكام دون تجاوز ذلك إلى قيادة الأمة والدفاع عن حقوقها والوقوف في وجه الظلم – قولٌ قاصرٌ وبعيدٌ عن حقيقة ما أراده الله تعالى من العلماء، وخلاف ما سار عليه أئمة الهدى من ورثة الأنبياء.  


أولًا: العلماء ورثة الأنبياء وقادة الأمة  

  • لقد بين النبي ﷺ مكانة العلماء فقال: «إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر» (أخرجه أبو داود والترمذي).  
  • والأنبياء لم يكونوا معلمين فحسب، بل كانوا قادةً لأممهم، يُصلحون شؤون الدنيا والدين، ويقومون بالقسط، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويجاهدون في سبيل الله. فكيف يُظن أن ورثتهم يقتصر دورهم على التعليم فقط؟!  


ثانيًا: العلماء حماة الأمة وقادة التغيير

  • لقد كان علماء السلف الصالح في طليعة المجاهدين والمصلحين، يقودون الأمة في الملمات، ويصدعون بالحق في وجه السلاطين، ويبذلون أنفسهم للذود عن دين الله وأمة الإسلام وللذكر وليس للحصر:

  • - الإمام مالك بن أنس وفتواه بعدم جواز إجبار الناس على بيعة الخليفة بالقوة، تحمّل بسببها الضرب بالسياط مما أدى إلى خلع كتفه.

- الإمام أحمد بن حنبل وقف في وجه فتنة القول بخلق القرآن، وتحمّل السجن والضرب، فكان صمودُه حصنًا للأمة.  

- الإمام أبو حنيفة ناصر المظلومين، ووقف في وجه جور الحكام، حتى سُجن وعُذب.  

- الإمام الشافعي كان فقيه الأمة وعالمها، ولكنه أيضًا كان يجاهد في سبيل الله ويُشارك في الدفاع عن ثغور المسلمين.  

- شيخ الإسلام ابن تيمية كان عالمًا مجاهدًا، يقود الأمة في مواجهة التتار، ويُحرِّض على الجهاد، ويُجاهد بنفسه، ويُفتي بالحق لا يخاف في الله لومة لائم.  

- الشيخ عزالدين القسام والشيخ عبد الله عزام والشيخ عمر بن عبد الرحمن ...  وغيرهم من علماء العصر الحديث، لم يقصروا أنفسهم على التدريس، بل حملوا هموم الأمة، ودعوا إلى التحرر من الاستعمار، وواجهوا الطغاة بالحق، حتى استشهدوا في سبيل الله.  


ثالثًا: العلماء مسؤولون عن إصلاح الحكام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر  

  • قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 104). والعلماء هم أولى الناس بهذا الواجب، لأنهم أعلم بالمعروف والمنكر، وأجرأ على بيان الحق.  
  • وقد قال النبي ﷺ: «سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله» (أخرجه الحاكم). فأين مكان العلماء إن تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ولاة الأمور؟!  


رابعًا: العلماء شهداء على الناس  

  • قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ (آل عمران: 187). والعلماء هم أول من أُخذ عليهم هذا الميثاق، فليس دورهم كتم الحق أو السكوت عن الظلم، بل بيانه للناس كافة، ومواجهة الباطل أينما كان.  


خامسًا: ترك القيادة للجهلة والطغاة ضياع للأمة  

  • إذا تخلى العلماء عن دورهم القيادي، تقدم الجهال والمنافقون، فتُفتح أبواب الفتن، ويضيع الدين والدنيا معًا. وقد حذر النبي ﷺ من ذلك فقال: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا» (متفق عليه).  
  • فكيف يُقال إن دور العلماء يقتصر على التعليم فقط؟! بل هم حراس العقيدة، وقادة الأمة، وأمناء على مصالح المسلمين، وهم الذين يضعون الأمة على الصراط المستقيم في الدين والدنيا.  


  الخلاصة  

واجب العلماء ليس مقصورًا على التعليم، بل يشمل:  

1. القيادة الفكرية والسياسية للأمة.  

2. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومواجهة الظلم والجور.  

3. الجهاد في سبيل الله باللسان واليد والقلب.  

4. حماية الأمة من الانحراف العقدي والفكري.  

5. إصلاح الحكام ونصحهم، والصدع بالحق في وجوههم.  

  • فمن قصر دور العلماء على التعليم فقط، فقد جهل مكانتهم، وضيع حقهم، وأسهم في إخراس صوت الحق الذي يجب أن يكون أعلى من كل صوت.  


والله تعالى أعلم

تعليقات

الكلمات الدلالية