img
img

تهميش العلوم الإدارية في التعليم العالي السوري: ثغرة استراتيجية تُهدد كفاءة منظومة الدولة وتماسك هياكلها الإدارية

img
منصة أفق السياسة

تهميش العلوم الإدارية في التعليم العالي السوري: ثغرة استراتيجية تُهدد كفاءة منظومة الدولة وتماسك هياكلها الإدارية

الأستاذ عبد النافع ياسر الفاضل
باحث سياسي


  • مقالٌ موجه بالدرجة الأولى للطلاب الذين أنهوا مرحلة الثالث الثانوي ومقبلين على الحياة الجامعية وكذلك أولياء أمورهم ليكونَ دليلاً يساعدهم في إختيار مسارهم الأكاديمي الصحيح وفهم الأهمية المتكاملة للأفرع الجامعية في بناء مستقبلهم ومستقبل وطنهم وفي جوهره أيضًا دعوة سياسية واعية إلى إعادة النظر في طريقة بناء الدولة السورية ومؤسساتها بعد عقود من التهميش والإقصاء الممنهج، دولة قائمة على الكفاءة والتخصص والمعرفة لا على الولاءات والمحسوبيات. 

  • تلعب الفروع الإدارية دورًا محوريًا في بناء سوريا الحديثة فهي أساس التخطيط والتنمية والإدارة الرشيدة. وطلاب اليوم هم عماد هذا التغيير إذ تقع على عاتقهم مسؤولية النهوض ببلدهم حيث تبدأ من إختيار تخصصات تُمكّنهم من قيادة المؤسسات وصياغة السياسات وبناء دولة قوية ومتوازنة...

  • لطالما ردد المجتمع السوري عبارة أصبحت بمثابة قاعدة غير مكتوبة: "ادرس الطب أو الهندسة وإلا فلا قيمة لدراستك" كلمات كهذه كانت كفيلة بإقصاء عدد كبير من التخصصات من دائرة الاعتبار ولم يكن هذا التهميش خيارًا فرديًا عابرًا بل انعكاسًا لعقلية عامة توارثتها الأجيال وساهمت بشكل مباشر أو غير مباشر في تعميق الأزمة الفكرية والإدارية التي تعاني منها سوريا اليوم

لكن السؤال الجوهري: إلى أين قادتنا هذه النظرة القاصرة؟

  • رغم وفرة الأطباء والمهندسين في سوريا إلا أن البلاد عانت لعقود من فوضى إدارية وتخبط اقتصادي وإنعدام في القدرة على التخطيط بعيد المدى. لم تكن المشكلة في قلة العقول بل في الإهمال وإنعدام الثقافة عند شريحة كبيرة من المجتمع أو.... ربما التجهيل المُمنهج!  بأهمية دراسة الفروع التي تُعنى بالنهوض بالمجتمع والدولة مثل الإدارة والإقتصاد والسياسة لأن نظام الحكم القائم لم يكن يرغب بوجود أجيال تفكر وتخطط وتحاسب بل أراد أجيال تنفذ وتطيع وتطبّل.. 


  • عند النظر إلى الدول الناجحة مثل كوريا الجنوبية أو سنغافورة أو الصين نجد خلف نهوضها جيوشًا من الإداريين والاقتصاديين والسياسيين الذين صاغوا خطط التنمية ورسموا مسارات التقدم ووضعوا أهدافًا استراتيجية بعيدة المدى أما في سوريا فقد تم تهميش هذا النوع من الكفاءات بل جرى تشويهها عمداً حتى انتهى بنا الأمر إلى مؤسسات هشة وقرارات مرتجلة وسياسات مترهلة تحكمها المخابرات بدل الوزارات ويديرها الولاء بدل الكفاءة

اليوم يقف الطالب أمام مفترق طرق البعض يسعى لدخول أفرع محددة كالطب والهندسة وغيرها فقط لما تمنحه من وجاهة اجتماعية لا حبًا بالمجال ولا رغبةً فيه والبعض الآخر يشعر بالإحباط لأنه لم يحقق المجموع الذي يخوّله دخول هذه الكليات فيُخيّل إليه أن مستقبله انتهى وهنا تأتي أهمية هذا المقال: للتذكير بأن النهضة لا تُبنى بمشرط طبيب فقط ولا بمعول مهندس وحده بل تحتاج إلى عقولٍ إدارية وسياسية تُنسّق وتخطط وتضبط الدولة.

  • وفي مقالي هذا اركز على كليّات الإقتصاد وإدارة الأعمال والعلوم السياسية والإدارة العامة وعلى أنّها لا تخرّج من هم أقلُّ شأنًا بل تخرّج من بيدهم مفاتيح الإدارة الرشيدة. من يدير الوزارات ويضع الميزانيات ويقود العمل المؤسساتي ويشرف على الموارد البشرية ويصنع السياسات العامة.؟!

  •  ومن قال أن فهم السياسة أو الإقتصاد أقلّ أهمية من إجراء عملية جراحية؟ ففشل السياسات قد يؤدي بمصير شعب بأكمله بينما خطأ الطبيب — رغم فداحته — قد يطال فردًا واحدًا فقط. 

  • كما أن هذه الفروع تمنح خريجيها مرونة واسعة في سوق العمل خريجو إدارة الأعمال يمكنهم العمل في الشركات أو إطلاق مشاريعهم الخاصة أو دخول عالم ريادة الأعمال وأيضًا خريجو الإقتصاد بإمكانهم أن يصبحون محلّلين ماليين أو مستشارين اقتصاديين أو موظفين حكوميين أما خريجو العلوم السياسية والإدارة العامة فهم النواة الحقيقية لصناعة القادة وصنّاع القرار.

  • كما يجب أن نفهم أنّ النهضة ليست ترفًا فكريًا بل مسألة بقاء وكرامة، فالدولة التي لا تُحسن إدارة مواردها ولا تخطط لمستقبلها ولا تبني مؤسساتها على أسس علمية لا يمكن لها أن تستمر وسوريا اليوم بعد الحروب والدمار والتهجير تحتاج قبل كل شيء إلى ثورة سياسية وفكرية، تحتاج إلى جيلٍ جديد من الطلاب يدرك أن القيادة ليست منصبًا بل علمّا وأن التخطيط ليس وظيفة بل رسالة، إننا بحاجة إلى كسر جدار الجهل السميك المحيط بهذه التخصصات وأعوِّل على المؤسسات التعليمية أن تعرّف الطلاب بها وعلى الجامعات أن تطورها وتقدّمها بشكل جذاب وعلى الإعلام أن يُسلّط الضوء على قصص نجاح حقيقية في هذه المجالات...
     
  • وفي الختام كلُّ طالب في هذا الوطن يحمل مسؤولية وكلّ قرار يتخذه اليوم سيصنع مستقبل الغد لا تدع نظرة المجتمع تُحدد مصيرك بل اختر ما تحب وما تؤمن أنه قادر على تغيير واقعك وواقع بلدك.

  • فربما تكون أنت الإداري او الإقتصادي أو السّياسي الذي يُعيد بناء سوريا الجديدة التي نحلم بها جميعًا سوريا المواطنة لا سوريا المزرعة سوريا المؤسسات لا سوريا الأشخاص.

تعليقات

الكلمات الدلالية