المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان
الاستعباد المعاصر: نقد إسلامي لأنماط التوظيف في النظام العالمي
مقال ضمن : سلسلة في السياسة الشرعية وتطبيقاتها
أ.د عصام اشويدر
رئيس شبكة الرواد الإلكترونية
ورئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان
☑️ مقدمة: من العبودية التاريخية إلى الاستعباد المعاصر
- إن الناظر في أحوال هذا الزمان وما آل إليه النظام العالمي من استعباد للناس، يجد أن هذا الاستعباد قد تجاوز العبودية التقليدية التي عرفها التاريخ، ليصل إلى مرحلة أشد خطورة وأعمق تأثيراً في النفس البشرية. فبينما كان العبد في الماضي يعرف حقيقة وضعه ويسعى للتحرر منه، نجد اليوم أن الإنسان المعاصر قد تم تدجينه ليقبل بهذا الوضع بل ويدافع عنه، مما يجعله أشبه بالبهيمة التي تُساق في القطيع دون وعي بحقيقة مصيرها.
☑️ الاستعباد البهيمي: تحليل النمط المعاصر
القطيع البشري في الأنظمة الوظيفية
- يمكننا أن نرى بوضوح كيف تحول الإنسان المعاصر إلى جزء من قطيع بشري يُساق صباح كل يوم إلى وظائف لا تخدم سوى مصالح النظام المالي العالمي. هذا النمط اليومي الذي يستمر من بداية الحياة المهنية حتى سن التقاعد، يذكرنا تماماً بالبهيمة التي تدور حول الرحى ساعات طوال.
دورة الرحى: استعارة دقيقة للواقع المعاصر
- البهيمة التي تدور حول الرحى تقدم صورة مثالية لحال الموظف المعاصر:
- - تبدأ عملها في الصباح الباكر، مُقيدة بحبل لا تستطيع الخروج من دائرة محددة
- - تدور وتدور طوال النهار، تطحن الحبوب لتنتج الدقيق الذي يستفيد منه الآخرون
- - في المساء تُعطى علفها وتُترك للراحة، ثم تعود في الغد لنفس الدورة
- - لا تملك من عملها سوى ما يكفي لإبقائها على قيد الحياة لمواصلة العمل
- هكذا هو الموظف المعاصر: يعمل ساعات طوال لينتج قيمة هائلة للنظام، لكنه لا يحصل إلا على الحد الأدنى الذي يضمن استمراريته في الدورة.
- إن هذا التشبيه ليس مجرد استعارة أدبية، بل هو وصف دقيق لحقيقة ما يحدث:
- - الصباح: انطلاق القطيع البشري في نفس التوقيت، بنفس الطريقة، إلى نفس المصير
- - النهار: العمل الشاق لخدمة النظام دون تفكير في الغاية الحقيقية
- - المساء: العودة للراحة المؤقتة استعداداً لإعادة الدورة
- - العطل: فترات "الفسحة" المحسوبة لضمان استمرار الإنتاجية
آليات الخداع والتضليل
- يستخدم النظام العالمي آليات متطورة لإبقاء هذا القطيع في حالة من الرضا الزائف:
- الترفيه المبرمج: كما تُعطى البهيمة الفواكه والخضر بين الحين والآخر، يُقدم للموظف المعاصر وهم "السفر والتمتع" في العطل، وكذلك إقامة له حفلات ومهرجانات موسيقية ...، ليعود بعدها أكثر استعداداً لمواصلة الاستغلال.
- الراحة الوهمية: القش الذي يُفرش للبهيمة ليلاً يقابله في عالم الموظفين وسائل الراحة المنزلية والترفيه الإلكتروني، التي تخدر العقل وتمنعه من التفكير في حقيقة وضعه.
الدورة المالية المغلقة: استرداد الراتب بالكامل
- إن أعمق مظاهر هذا الاستعباد يتجلى في الدورة المالية المحكمة التي وضعها النظام العالمي. فالموظف يحصل على راتبه في آخر الشهر، ولكن هذا الراتب ليس سوى وهم مؤقت، إذ أن النظام نفسه يسترده بالكامل - بل وأكثر - من خلال:
النفقات الإجبارية:
- - فواتير الكهرباء والماء والغاز: احتكارات تضمن عودة جزء كبير من الراتب
- - تكاليف السكن: إيجارات أو أقساط عقارية تلتهم النصيب الأكبر من الدخل
- - تكاليف النقل والوقود: للوصول إلى مكان العمل نفسه
- - الصحة والأدوية: نظام صحي مكلف يستنزف المدخرات
- - التأمينات الإجبارية: خصومات تُفرض باسم الحماية المستقبلية
النفقات الاستهلاكية المبرمجة:
- - التبضع والمواد الغذائية: أسعار مُتحكم فيها تضمن استمرار التدفق المالي
- - الكماليات والأجهزة: دورة استهلاكية مدروسة لامتصاص أي فائض
- - الخدمات الرقمية: اشتراكات وخدمات لا تنتهي
- - الأزياء والموضة: دورة تجديد مستمرة لاستنزاف المال
النتيجة:
- الموظف يعمل شهراً كاملاً ليحصل على راتب يختفي بالكامل قبل نهاية الشهر، ليجد نفسه مضطراً للعمل في الشهر التالي. إنها دورة الرحى بعينها: يطحن ليحصل على الدقيق، لكن الدقيق يُستخدم لإطعامه الحد الأدنى الذي يبقيه قادراً على الطحن في اليوم التالي.
- كما أن البهيمة التي تدور حول الرحى لا تملك من إنتاجها شيئاً، فإن الموظف المعاصر لا يملك من عمله سوى ما يكفي لإعادة إنتاج قوة عمله للغد. والأخطر من ذلك أن هذا النظام قد أقنع البهيمة البشرية أنها "حرة" وأن هذا هو "التقدم" و"الحضارة".
☑️ الخطر على المجتمع والفرد
على مستوى الفرد
- هذا النمط من الحياة يؤدي إلى:
- - فقدان الهوية الحقيقية: الإنسان يصبح مجرد رقم في النظام
- - موت الإبداع والابتكار: التكرار اليومي يقتل القدرة على التفكير النقدي
- - الاغتراب الروحي: البعد عن الغاية الحقيقية للوجود الإنساني
- - التبعية المطلقة: عدم القدرة على التفكير خارج إطار النظام المفروض
على مستوى المجتمع
- - تفكك البنية الاجتماعية التقليدية: ضعف الروابط الأسرية والمجتمعية
- - هيمنة القيم المادية: تقديم المصلحة الاقتصادية على القيم الإنسانية والروحية
- - فقدان الهوية الحضارية: ذوبان الخصوصيات الثقافية في بوتقة العولمة
- - التبعية الاقتصادية: خدمة مصالح القوى العالمية على حساب التنمية المحلية
☑️ المنظور الإسلامي للعمل والحياة
العمل في الإسلام: عبادة وخدمة
- الإسلام ينظر للعمل كعبادة وخدمة للمجتمع، وليس مجرد وسيلة للكسب أو خدمة لمصالح النظام المالي العالمي. قال الله تعالى: "وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ". هذا السعي يجب أن يكون
- - موجهاً لخدمة دين الله والمجتمع
- - متوازناً مع الجوانب الروحية والاجتماعية
- - محققاً للكرامة الإنسانية
- - مساهماً في بناء الحضارة الإسلامية
البديل الإسلامي
- الإسلام يقدم بديلاً حضارياً شاملاً يقوم على:
- - التوحيد: ربط جميع جوانب الحياة بالغاية الإلهية
- - العدالة الاجتماعية: توزيع عادل للثروة والفرص
- - التكافل: نظام اجتماعي يكفل الحاجات الأساسية للجميع
- - الاستخلاف: دور الإنسان كخليفة في الأرض وليس مجرد مستهلك
☑️ الخلاصة والتوصيات
- إن ما نشهده اليوم من استعباد معاصر للبشر في أنظمة العمل الحديثة يتطلب يقظة و وعياً عميقاً بحقيقة ما يحدث. على المسلم أن يدرك أنه مُستخلف في هذه الأرض لعمارتها وفق منهج الله، وليس لخدمة مصالح نظام عالمي يختزل الإنسان في قيمته الإنتاجية فحسب.
- الطريق للخروج من هذا الاستعباد يبدأ بالوعي والفهم، ثم ببناء البدائل العملية التي تحقق التوازن بين متطلبات الحياة
المعاصرة والقيم الإسلامية الأصيلة. إن المطلوب ليس رفض التقدم والحداثة، بل إعادة صياغتهما وفق رؤية إسلامية تكرم الإنسان وتحقق رسالته في الحياة.
- قال الله تعالى :
- "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا"
- الإسراء: 70
اكتب مراجعة عامة