في التجربة السياسية العربية الحديثة، لم يكن انهيار المفاهيم مجرّد خلل لغوي أو انحراف مصطلحي، بل كان انعكاسًا عميقًا لتحوّلات في بنية الدولة ووظيفة السلطة. تأسّست الدولة الحديثة، على الأقل من حيث الشكل، لتكون أداة لخدمة المجتمع وضمان الاستقرار والتنمية والعدالة، ضمن تعاقد اجتماعي يُؤسس لمفهوم المواطنة المتساوية. غير أنّ هذا التصوّر سرعان ما اختُطف، واختُزلت مفاهيم كبرى كـ”الأمن القومي” و”الوحدة الوطنية” و”السيادة” لتصبح مجرّد واجهات خطابية تُستخدم لتبرير القمع والاستبداد ومصادرة الحقوق.
انهيار المفاهيم: من أمن الدولة إلى أمن النظام فأمن الفرد… حين تتحوّل الدولة إلى أداة قمعية باسم الأمن
في التجربة السياسية العربية الحديثة، لم يكن انهيار المفاهيم مجرّد خلل لغوي أو انحراف مصطلحي، بل كان انعكاسًا عميقًا لتحوّلات في بنية الدولة ووظيفة السلطة. تأسّست الدولة الحديثة، على الأقل من حيث الشكل، لتكون أداة لخدمة المجتمع وضمان الاستقرار والتنمية والعدالة، ضمن تعاقد اجتماعي يُؤسس لمفهوم المواطنة المتساوية. غير أنّ هذا التصوّر سرعان ما اختُطف، واختُزلت مفاهيم كبرى كـ”الأمن القومي” و”الوحدة الوطنية” و”السيادة” لتصبح مجرّد واجهات خطابية تُستخدم لتبرير القمع والاستبداد ومصادرة الحقوق.
لقد بدأ هذا الانهيار من أعلى الهرم المفاهيمي: من “أمن الدولة”، الذي كان يُفترض أن يعني حماية الكيان الوطني من التهديدات الداخلية والخارجية في إطار احترام القانون، فإذا به يتحوّل تدريجيًا إلى أداة لضرب الخصوم السياسيين. ثم تم تقليصه ليصبح “أمن النظام”، أي بقاء السلطة بقطع النظر عن شرعيتها أو مشروعيتها، وصولًا إلى الشكل الأكثر فجاجة: “أمن الحاكم”، حيث تُختزل الدولة في شخص الزعيم، ويُصبح النقد خطرًا على الوطن، والاختلاف جريمة ضدّ الاستقرار.
وهكذا، لم تعد الدولة كيانًا يحتضن مواطنيه، بل أصبحت جهازًا يراقبهم، ويتوجّس منهم، ويعاقبهم إن عبّروا أو عارضوا أو رفضوا الاصطفاف وراء الرواية الرسمية. وكلما تعمّق هذا الانحراف، كلما خسرت الدولة جوهرها، وتحولت من منظومة لخدمة الإنسان، إلى أداة لقمعه تحت مسميات مواجهة الخطر الداهم والمؤامرات الداخلية.
1. من مفهوم الأمن القومي إلى شبهة حماية النظام
نشأ مفهوم “الأمن القومي” كنتاج تاريخي لتجربة الدول الحديثة مع الحروب والتهديدات، وهو يقوم على معادلة بسيطة: حماية الوطن والمواطن في آنٍ واحد. لكن في السياق العربي، بدأ هذا المفهوم يتآكل منذ لحظة تبنّيه. فقد تم تفريغه من معناه الوظيفي لصالح منطق السيطرة، واستخدم كذريعة لتوسيع صلاحيات الأجهزة الأمنية وتحويل كل مساحة نقد أو استقلال إلى تهديد مزعوم.
تحوّل “الأمن القومي” إلى جدار لغوي تختبئ خلفه الأنظمة، فتُجرّم الاحتجاجات، وتُقمع الصحافة، وتُلاحق الجمعيات المدنية. وبمرور الوقت، أُسقطت الدولة من المعادلة، ليُصبح “أمن النظام” هو الغاية النهائية، أي بقاء السلطة ذاتها – حتى ولو سقط المجتمع وتآكلت المؤسسات.
تاريخيًا، ومنذ عقود إلى يومنا هذا، شكّلت العديد من التجارب في العالم العربي نماذج فاضحة لهذا الانحراف البنيوي، تماهى فيها النظام مع الدولة، بحيث لم يعد هناك فرق بين معارضة الرئيس ومعاداة الوطن. وسرعان ما تم تدمير المؤسسات أو تدجينها، فتحوّلت الجيوش إلى حرس شخصي، والدساتير إلى نصوص ظرفية تُفصّل على مقاس الحاكم، والبرلمانات إلى ديكور سياسي يُضفي شرعية زائفة على واقع السلطوية.
2. حين تختزل الدولة في شخص الزعيم
تبلغ المأساة ذروتها حين ينحدر النظام إلى أن يصبح اسمًا علمًا على شخص بعينه، لا مؤسسة ولا مشروع وطني.
في هذا الشكل من الحكم، لا يكون الحاكم رأس الدولة فحسب، بل يصبح الدولة ذاتها: صورتها، صوتها، رمزها، وحدودها.
تُصاغ السياسات العامة وفق مزاج الزعيم؛ التعليم يُحوَّر ليكرّس الرواية الرسمية؛ الإعلام يتحوّل إلى جوقة تمجيد؛ والمؤسسات تُفرغ من مضمونها لتصبح أدوات ولاء لا أدوات إدارة. في هذا السياق، تتحوّل المعارضة إلى خيانة، والتفكير النقدي إلى تهديد، والتعددية إلى “مؤامرة”.
إن هذا النوع من السلطة ينتمي إلى ما يصفه علماء السياسة بالسلطوية الشخصية (personalist authoritarianism)، حيث لا توجد مؤسسات وسيطة.
والمفارقة أن كل انتقال في هذه السلسلة المفاهيمية لا يوسّع من دوائر الأمن، بل يضيقها. حين يصبح “أمن الدولة” مرادفًا لـ”أمن النظام”، فإن كل تهديد لشرعية النظام يُقدَّم كتهديد للبلد، وكل معارضة تُعدّ خيانة وطنية. أما حين ينزل المفهوم إلى أدنى مستوياته، فيُختزل الأمن في شخص الحاكم، يصبح الحفاظ على صورة الزعيم، ومكانته، وخطابه، أهم من حماية الحدود، أو السيادة، أو ضمان كرامة المواطنين.
في هذا السياق، تذوب مؤسسات الدولة في شخص الرئيس أو القائد الأعلى، وتفقد المؤسسات الأمنية والعسكرية مهنيتها واستقلاليتها، وتتحوّل إلى أدوات لتنفيذ “أمن القائد”. ويُعاد تشكيل الدستور والقوانين لضمان بقاء الفرد في الحكم مدى الحياة، ويُستبدَل الولاء للوطن بالولاء للحاكم.
ويصبح “الأمن القومي” خطابًا أجوف يُستخدم لحظر التظاهرات، وقمع الحريات، وتمرير السياسات، وتبرير الانتهاكات، حتى وإن أدّى ذلك إلى ضرب السلم الاجتماعي وتمزيق النسيج الوطني.
وفي ظل هذا الانحدار، لا تعود “الدولة” كيانًا له سيادة ومؤسسات وقانون، بل تصبح مِلْكًا شخصيًا، محاطة بهالة من القداسة، ومحروسة بأجهزة قمع لا هدف لها سوى حماية الحاكم من الشعب، لا حماية الشعب من التهديدات.
3. قمع الحريات ونسف التعددية وملاحقة المعارضة
حين تُفصّل الدولة على مقاس النظام، فإن أول ضحايا هذا الانحراف تكون الحريات العامة والحقوق الفردية. إذ لا يمكن للنظام الذي يربط وجوده باستمرار الحاكم أن يتسامح مع التعدد أو الاختلاف. فكل صوت مستقل يُنظر إليه كتهديد، وكل رأي ناقد يُصنّف كخيانة، وكل معارضة تُصوَّر كمن يعمل على تهديد الوطن أو إسقاط النظام.
تُسنّ القوانين على عجل لتكميم الأفواه: قوانين مكافحة الإرهاب، الجرائم الإلكترونية، حماية الأمن العام، تجريم الإساءة لرموز الدولة… وكلها تُستخدم ليس لمحاربة الجريمة، بل لمحاربة الرأي الآخر.
في أحد الأقطار العربية، تجاوز عدد المعتقلين السياسيين عشرات الآلاف وفق تقديرات منظمات حقوقية. وفي قطر آخر، تُحكم المحاكم على تغريدة بعقوبة عشرات السنين. وفي غيره، تُجرّم الصحافة الاستقصائية تحت تهم أخلاقية مشكوك فيها، كما في بعض القضايا المثيرة للجدل خلال السنوات الأخيرة.
ويُحاصَر العمل الحزبي بقوانين انتخابية وإدارية هدفها تفكيك التعددية وتحويلها إلى واجهة زخرفية بلا تأثير. تُشيطن المعارضة السياسية بأنها “تحمل أجندات خارجية”، ويُخترق المجتمع المدني وتُجفف مصادر تمويله. حتى الجمعيات الثقافية لم تعد بمنأى عن المراقبة، وكأن المطلوب هو تجريد المجتمع من كل أدوات التعبير والتفكير.
وتصبح الدولة، في هذا المناخ، جهازًا بوليسيًا، وظيفته حماية الحكم من الشعب، لا حماية الشعب من التهديدات.2. حين تختزل الدولة في شخص الزعيم
تبلغ المأساة ذروتها حين ينحدر النظام إلى أن يصبح اسمًا علمًا على شخص بعينه، لا مؤسسة ولا مشروع وطني.
في هذا الشكل من الحكم، لا يكون الحاكم رأس الدولة فحسب، بل يصبح الدولة ذاتها: صورتها، صوتها، رمزها، وحدودها.
تُصاغ السياسات العامة وفق مزاج الزعيم؛ التعليم يُحوَّر ليكرّس الرواية الرسمية؛ الإعلام يتحوّل إلى جوقة تمجيد؛ والمؤسسات تُفرغ من مضمونها لتصبح أدوات ولاء لا أدوات إدارة. في هذا السياق، تتحوّل المعارضة إلى خيانة، والتفكير النقدي إلى تهديد، والتعددية إلى “مؤامرة”.
إن هذا النوع من السلطة ينتمي إلى ما يصفه علماء السياسة بالسلطوية الشخصية (personalist authoritarianism)، حيث لا توجد مؤسسات وسيطة.
والمفارقة أن كل انتقال في هذه السلسلة المفاهيمية لا يوسّع من دوائر الأمن، بل يضيقها. حين يصبح “أمن الدولة” مرادفًا لـ”أمن النظام”، فإن كل تهديد لشرعية النظام يُقدَّم كتهديد للبلد، وكل معارضة تُعدّ خيانة وطنية. أما حين ينزل المفهوم إلى أدنى مستوياته، فيُختزل الأمن في شخص الحاكم، يصبح الحفاظ على صورة الزعيم، ومكانته، وخطابه، أهم من حماية الحدود، أو السيادة، أو ضمان كرامة المواطنين.
في هذا السياق، تذوب مؤسسات الدولة في شخص الرئيس أو القائد الأعلى، وتفقد المؤسسات الأمنية والعسكرية مهنيتها واستقلاليتها، وتتحوّل إلى أدوات لتنفيذ “أمن القائد”. ويُعاد تشكيل الدستور والقوانين لضمان بقاء الفرد في الحكم مدى الحياة، ويُستبدَل الولاء للوطن بالولاء للحاكم.
ويصبح “الأمن القومي” خطابًا أجوف يُستخدم لحظر التظاهرات، وقمع الحريات، وتمرير السياسات، وتبرير الانتهاكات، حتى وإن أدّى ذلك إلى ضرب السلم الاجتماعي وتمزيق النسيج الوطني.
وفي ظل هذا الانحدار، لا تعود “الدولة” كيانًا له سيادة ومؤسسات وقانون، بل تصبح مِلْكًا شخصيًا، محاطة بهالة من القداسة، ومحروسة بأجهزة قمع لا هدف لها سوى حماية الحاكم من الشعب، لا حماية الشعب من التهديدات.
4. الأمن كقيد للحرية
في السياق الطبيعي، يشكّل الأمن القاعدة التي تقوم عليها الحرية، فلا حرية بلا استقرار. لكن في العالم العربي، تم قلب المعادلة: صار الأمن ذريعة لإلغاء الحريات، وشرعية دائمة لفرض الطوارئ القانونية والنفسية على المجتمعات.
الأمن لم يعد استقرارًا، بل صمتًا مفروضًا. لم يعد يعني حماية المواطنين، بل منعهم من التحدث. وفي ظل هذا المنطق، لا يعود المواطن عنصرًا في معادلة الحكم، بل يصبح تهديدًا محتملًا يجب احتواؤه أو تحييده.
تُراقب الفضاءات العامة، تُغلق المنصات الرقمية، وتُختزل الصحافة في نشرات رسمية تكرّر ما تقوله أجهزة الدولة.
في أحد الأقطار العربية، يتم حظر المظاهرات السلمية بحجة “الإخلال بالنظام العام”، وفي آخر يُعتقل النشطاء بتهم فضفاضة مثل “الإضرار بالوحدة الوطنية”، وفي قطر ثالث تُستخدم تهم “إساءة استخدام مواقع التواصل” لسجن المنتقدين.
وتنتشر منظومة الرقابة الذاتية في كل مكان: في الإعلام، في التعليم، في الوظيفة العمومية. يخاف المواطن من أن يُساء تفسير كلامه، أو يُرصد سلوكه، أو يُستخرج من منشور قديم ما يُدين حاضره.
ويتم تقديم هذا القمع الناعم على أنه “إجراءات احترازية لحماية السلم”، بينما هو في الواقع تدمير ممنهج لكل ما يُمكّن الناس من التعبير عن أنفسهم بكرامة.
5. من الأمن الحقيقي إلى هندسة الخوف
في الأنظمة التي تنبني على الثقة، يكون الأمن وسيلة لتحقيق الطمأنينة، ويُبنى على شراكة بين المواطن والدولة. أما في الأنظمة التي يحكمها الخوف، فيُعاد تشكيل المجال العام كله بطريقة تجعل الناس يراقبون أنفسهم بأنفسهم، دون حاجة إلى شرطي.
هنا، تتحوّل الدولة إلى هندسة ممنهجة للرعب الاجتماعي. ليس المطلوب فقط منع الناس من المعارضة، بل إقناعهم بأن الصمت أفضل لهم. يُنشر الخوف كسياسة عمومية: عبر التشهير، المراقبة، العقوبات الإدارية، الفصل من الوظائف، المنع من السفر، التضييق على العائلات… ويُترك المواطن في دوامة من الريبة لا يدري فيها متى يتحوّل إلى متّهم.
في مثل هذه البيئات، تختفي السياسة، وتنهار الثقة، ويتحوّل المجتمع إلى جزُرٍ معزولة، كل فرد فيها منشغل بنجاته الخاصة. وتتحوّل الدولة إلى سجن واسع لا يحتاج إلى قضبان، بل إلى خطاب يومي يعيد إنتاج الخوف.
الناس تبتعد عن العمل العام، وعن الشأن السياسي، وتُحاصر بفكرة أن المصلحة في أن “تنجو بصمتك”، لا أن تدافع عن حقك.
وهكذا، يتراجع مفهوم الأمن الحقيقي، المبني على الشفافية والمحاسبة، ليحلّ مكانه أمن زائف لا يحمي إلا من هم في السلطة، ويُقصي الجميع باسم “الاستقرار”.
خاتمة: حين يُختزل الوطن في فرد
حين يُختزل الوطن في شخص، فإن الدولة تفقد معناها، وتتحوّل من بناء جماعي إلى ممتلكات خاصة. كل ما يُنجز يُنسب للحاكم، وكل من يَنتقد يُتّهم بمعاداة الدولة.
في هذه الحالة، لا يعود سقوط النظام فرصة للتغيير، بل كارثة وطنية، لأن الحاكم هو النظام، والنظام هو الدولة، والدولة هي الوطن… أو هكذا يُراد للناس أن يعتقدوا.
لكن الحقيقة غير ذلك: الدولة ليست شخصًا، ولا الوطن ملكًا لأحد. الدولة منظومة تعاقدية تقوم على الحقوق والمساءلة. والحاكم ليس إلا موظفًا عامًا، مهما عُظّمت سلطته.
وعندما تُجرّم المعارضة، ويُشيطن النقد، وتُمنع الأسئلة، نكون أمام سلطة لا تثق في نفسها ولا في مجتمعها، فتخوض حربًا دائمة على الكلمة والفكرة والاختلاف.
إن تحرير الدولة من قبضة الأشخاص يبدأ باستعادة المعاني التي فُقدت:
أن الأمن ليس قيدًا بل حماية،
أن المواطن ليس تابعًا بل شريكًا،
وأن السلطة لا تكون شرعية إلا حين تكون خاضعة للمساءلة.
وإن مستقبل العالم العربي لن يُبنى على أوهام القوة ولا على طغيان الأمن، بل على مشروع يُعيد تعريف الدولة بوصفها حامية للكرامة، لا حامية للكرسي.
اكتب مراجعة عامة