الشبكة
دروس التاريخ: من محن الأمس إلى نهضة الغد
أ.د عصام اشويدر
رئيس شبكة الرواد الإلكترونية
ورئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الانسان
بسم الله الرحمن الرحيم
✓ التاريخ يعيد نفسه: من حصار بربشتر إلى معاناة غزة
- عندما وصف ابن حيان حصار بربشتر في الأندلس قائلاً:
- "ظلّ عدوّهم يتبحبح في عِراص ديارهم، يقطع كلّ يومٍ طرفاً، ويبيد أمّةً، ومن لدينا وحوالينا صُموتٌ عن ذكرهم، لهاةٌ عن بثّهم، ما إن يُسمع عندنا في مسجدٍ أو محفلٍ مذكّرٌ بهم، فضلاً عن نافرٍ إليهم أو مواسٍ لهم، حتّى كأنْ ليسوا منّا"
لم يكن يتصور أن تلك الكلمات ستُكتب مرة أخرى عن غزة وفلسطين في عصرنا. فالتاريخ يعيد نفسه بدقة مؤلمة، حيث عانى المسلمون في قرون مضت من احتلال وغزوات وحصارات أودت بحياة مئات الآلاف وشردت الملايين، واليوم تتكرر المأساة ذاتها في غزة المحاصرة.
✓ صمت الأنظمة: خيانة عبر التاريخ
- كما صمتت ممالك الطوائف في الأندلس عن نصرة بربشتر وقرطبة وإشبيلية، وكما تخاذل الحكام أمام المغول والصليبيين، نرى اليوم الأنظمة العربية العميلة تصمت عن غزة، بل وتشارك في حصارها. لقد استنجد ابن الأبار قائلاً:
- "أدرك بخيلك خيل الله أندلساً... إن السبيل إلى منجاتها درسا"
- واليوم يصرخ أهل غزة ويستنجدون، لكن الخيول لا تأتي، والأنظمة منشغلة بحماية عروشها على حساب دماء شعوبها.
✓ أرقام الدم في صفحات التاريخ
التاريخ الإسلامي مليء بالمذابح التي تشبه ما يحدث اليوم في غزة:
في الأندلس:
- - سقوط إشبيلية: خروج 400 ألف مسلم من مدينتهم بعد حصار دام 17 شهراً
- - سقوط قرطبة: تهجير مئات الآلاف من حاضرة الخلافة الأموية
- - سقوط غرناطة (1492م): نهاية آخر معاقل المسلمين بعد بطولات نادرة
- - المجموع: ما يفوق نصف مليون مسلم طُردوا من الأندلس
في الغزو المغولي:
- - مذبحة بغداد (1258م): مليون مسلم قُتلوا في أيام معدودة
- - حلب ودمشق: عشرات الآلاف من القتلى والمشردين
- - القاهرة: استولى عليها المغول مؤقتاً بأثر مدمر على الثقافة الإسلامية
- - الإجمالي: أكثر من مليوني مسلم عبر العالم الإسلامي
في الحروب الصليبية:
- - مذبحة القدس (1099م): 70 ألف مسلم ذُبحوا في المسجد الأقصى وحده
- - القضاء الشامل: قتل جميع سكان المدينة المقدسة
- - حصيلة قرنين: مئات الآلاف من الضحايا عبر الشرق
✓ التاريخ يعلمنا: الظلم لا يدوم (رغم فداحة الخسائر)
رغم هذه الأرقام المهولة ودمار المدن وذبح مئات الآلاف، تظهر لنا صفحات التاريخ أن الأمة قادرة على النهوض من تحت الركام:
بعد الغزو المغولي:
- ظن الناس أن الإسلام انتهى حين سقطت بغداد بمليون قتيل، لكن قطز والظاهر بيبرس قاموا بنهضة حقيقية:
- - عين جالوت (1260م): كسر أسطورة الجيش المغولي الذي لا يُقهر
- - تحرير الشام: استعادة دمشق وحلب وطرد المغول نهائياً
- - طرد الصليبيين: تحرير انطاكية وطرابلس بعد قرنين من الاحتلال
في الأندلس:
- حين استنجدت الطوائف الأندلسية بالمرابطين بعد خروج 400 ألف من إشبيلية:
- - يوسف بن تاشفين: جاء من المغرب ليحقق النصر في الزلاقة (1086م)
- - استعادة المدن: طليطلة وقرطبة عادت للحكم الإسلامي
- - الموحدون: حققوا انتصار الأرك (1195م) أعظم انتصارات الأندلس
في الحروب الصليبية:
- بعد مذبحة السبعين ألفاً في المسجد الأقصى وانهزام المسلمين:
- - صلاح الدين الأيوبي: حمل راية النهضة والتحرير
- - حطين (1187م): استعادة القدس والمسجد الأقصى
- - التحرير الشامل: سقوط عكا وصور وعسقلان
✓ القاسم المشترك: رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه
في كل نهضة، ظهر رجال استثنائيون تجمعهم صفات مشتركة:
صفاتهم الأساسية:
- - الإيمان الراسخ: قطز يقول "وا إسلاماه" في عين جالوت
- - رفض الذل: صلاح الدين يرفض تقسيم الشام مع الصليبيين
- - التضحية بالنفس: ابن تاشفين يترك راحة المغرب لنصرة الأندلس
- - العدالة الداخلية: كلهم قضوا على أنظمة الفساد والتبعية
منهجهم في التغيير:
- 1. البناء الإيماني والفكري أولاً
- 2. توحيد الصفوف وإنهاء التشرذم
- 3. إقامة العدل والقضاء على الظلم الداخلي
- 4. ثم المواجهة الخارجية بقوة موحدة
✓ الدرس الأعظم: سقوط دول الظلم حتمية تاريخية
التاريخ يؤكد أن كل نظام ظالم محكوم بالسقوط:
أمثلة من التاريخ:
- - الأمويون: سقطوا رغم قوتهم لظلمهم وانحرافهم
- - ملوك الطوائف: سقطوا لتفرقهم وتبعيتهم للأعداء
- - المماليك البرجية: أسقطهم الفساد والترف الزائد
الأنظمة العميلة اليوم:
- تشبه أسلافها في أنها:
- - تحارب شعوبها لحماية أعدائها
- - تنشر الفساد وتقطع الصلة بين الأمة وتاريخها
- - تغيب شريعة الله عن الحكم
- - تعتمد على القوة الخارجية وليس الشرعية الداخلية
- - محكومة بالزوال لا محالة
✓ لماذا لا نقرأ تاريخنا؟
المؤامرة الممنهجة:
- 1. طمس الهوية: إخفاء قصص البطولة والنهضة
- 2. زرع اليأس: التركيز على الهزائم وتجاهل الانتصارات
- 3. تمجيد الخنوع: تصوير الخضوع كحكمة والمقاومة كتهور وإرهاب
- 4. قطع الصلة: منع الأجيال من معرفة مجد أجدادها
النتائج المدمرة:
- - شعوب تظن أن الهزيمة قدر محتوم
- - أجيال تؤمن أن التبعية ضرورة
- - عقول تعتقد أن المقاومة مستحيلة
✓ إضافات تاريخية تدعم الدرس
معارك أخرى حاسمة:
- - معركة بلاط الشهداء: رغم الهزيمة، لم تنته روح الجهاد
- - الحروب العثمانية: استمرت المقاومة ضد الصليبيين قروناً
- - المقاومة الشعبية: في كل احتلال ظهرت حركات مقاومة جهادية
البعد الثقافي:
لم تكن المواجهة عسكرية فقط، بل شملت معارك فكرية وثقافية حيث اشتهر علماء وكتّاب في تحفيز الناس على الصمود والمقاومة، مثل ابن تيمية و العز بن عبد السلام وغيرهم ضد المغول والصليبيين.
✓ الأمل القادم: غزة تكتب فصلاً جديداً
- رغم الحصار والقصف الذي يفوق في ضراوته ما شهدته بغداد والقدس والأندلس، يثبت أهل غزة أن:
- - الإيمان أقوى من الآلة العسكرية
- - الحق لا يموت مهما طال الزمن
- - الأمة قادرة على إنجاب أبطال جدد
كما خرج قطز من مصر ليحرر الشام بعد مذبحة المليون في بغداد، وخرج صلاح الدين ليحرر القدس بعد مذبحة السبعين ألفاً في الأقصى، وخرج يوسف بن تاشفين ناصرا للأندلسيين، سيخرج قادة جدد ليحرروا فلسطين كاملة.
✓ خلاصة دروس للنهضة القادمة
ما يجب أن نتعلمه:
- 1. اقرأوا تاريخكم: فيه خارطة طريق النهضة
- 2. لا تيأسوا: كل محنة تحمل بذور النهضة القادمة
- 3. ابحثوا عن القادة الحقيقيين: الذين يصدقون الله لا المتخاذلين والمنبطحين أشباه الرجال
- 4. آمنوا بحتمية السقوط: كل نظام ظالم محكوم بالزوال
المطلوب اليوم:
- - رجال مثل قطز وصلاح الدين وبن تاشفين: يرفضون الذل ويقودون التغيير
- - شعوب واعية لتاريخها: لا تقبل بأقل من العزة والكرامة
- - نهضة شاملة: تبدأ بالإصلاح الداخلي وتنتهي بتحرير فلسطين
✓الخلاصة النهائية: التاريخ شاهد والنصر قادم
الأمة الإسلامية مرّت بمحطات أكثر مرارة مما نعيشه اليوم. مليون قتيل في بغداد، سبعون ألفاً في الأقصى، نصف مليون مهجر من الأندلس... لكنها نهضت من كل ذلك بفضل رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
كما انتصر المسلمون في عين جالوت والزلاقة وحطين، سينتصرون في غزة وفلسطين. فالتاريخ يعيد نفسه، والأمة تحمل إرث أجدادها وروحهم، ولها كل الأمل في أن تكتب فصلاً جديداً من البطولات والأمجاد.
قال الله تعالى :
"وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ"
والتاريخ شاهد: النصر آت لا محالة، والباطل زهوق، والحق منتصر مهما طال الليل.
اكتب مراجعة عامة