img
img

الصورة الذهنية في زمن التريند

img
منصة ساند الإعلامية

الصورة الذهنية في زمن التريند

الصورة الذهنية في زمن التريند

كيف تصنعها العلاقات العامة ويحركها الإعلام؟

المقدمة:

في الفضاء الإعلامي الحديث، لم يعد الجمهور متلقّيًا سلبيًا، ولا الإعلام مجرد قناة ناقلة، ولا العلاقات العامة مجرّد إدارة خلف الكواليس. لقد أعادت التريندات الرقمية صياغة المعادلات الثلاث، وأصبحت الصورة الذهنية التي تسعى المؤسسات لتشكيلها والحفاظ عليها عرضة لإعادة التشكيل – أو حتى الانهيار – خلال لحظات.

التحول في سلوك الجمهور، وقوة الوسائط الجديدة، و"لحظية" الرأي العام، فرضت على العلاقات العامة تحديًا جديدًا:
كيف تبني صورة ذهنية متماسكة، وسط فوضى إعلامية لا تستقر على قضية إلا لتنتقل سريعًا لأخرى؟

 

أولًا: الصورة الذهنية… من التصور إلى الرأي العام

لا تُبنى الصورة الذهنية على الحقائق فقط، بل تتشكّل من مزيج دقيق من الانطباعات، والمشاعر، والرموز، والتجارب، والرسائل غير المباشرة. إن ما يُعتقد عن مؤسسة أو شخصية في الوعي الجمعي، هو ما يُطلق عليه الصورة الذهنية، بصرف النظر عن مدى دقته أو عدالته.

ويؤكد الباحثون أن الصورة الذهنية غالبًا ما تُبنى من خلال الانطباع الأول، لكنها تتشكل تدريجيًا عبر التكرار والاحتكاك والقصص والمواقف التي تمر بها الجهة في وعي الجمهور[1].

في هذا السياق، لم تعد الصورة مجرد "واجهة"، بل أصبحت جزءًا من رأس المال الرمزي للمؤسسات. فهي تؤثر على الثقة، والدعم، والشرعية الاجتماعية، والقرارات الجماهيرية.

 

ثانيًا: العلاقات العامة كأداة استراتيجية... لا تجميلية

غالبًا ما يُساء فهم دور العلاقات العامة باعتبارها "ما يُقال" لتبدو الأمور على ما يُرام. لكن في الحقيقة، العلاقات العامة الناجحة لا تُجمّل، بل تُشكّل. إنها الأداة الأهم في هندسة الصورة الذهنية، ولكن ليس عبر التلاعب، بل عبر إدارة ذكية للتواصل والسرد والتوقيت.

فهي تبني إطارًا رمزيًا للشخصية أو المؤسسة عبر:

  • صياغة الهوية.
  • خلق قصة جذابة قابلة للنقل.
  • الحفاظ على الاتساق.
  • التفاعل المستمر والمنهجي.

وهذا يتطلب وعيًا عميقًا بمفهوم "المصداقية العاطفية"، حيث لا يكفي أن تكون المؤسسة صادقة، بل يجب أن تبدو كذلك في عين الجمهور المتشكك.

 

ثالثًا: التريند... سيف ذو حدين في صناعة الصورة

إذا كانت العلاقات العامة تصوغ "الرسالة"، فإن الإعلام والـ"تريند" يقرران كيفية تلقّيها، بل وربما يعيدان صياغتها. ففي بيئة منصات التواصل، لم يعد بإمكان المؤسسة أن تتحكم في القصة بالكامل. الجمهور اليوم يصنع رواياته الخاصة، ويتداولها، ويُضفي عليها معانٍ جديدة.

أصبح التريند قوة ذات طابع مزدوج:

  • قد يُعزّز الصورة الذهنية إيجابيًا حين يتلاقى مع سرد مؤسسي ناجح.
  • أو قد يُشوهها، حين تنشأ رواية بديلة، أو تسود قراءة سلبية لموقف أو تصريح.

ومع الطبيعة التراكمية للمحتوى، فإن كل تريند يترك أثرًا في الوعي الجماهيري، يُبنى عليه لاحقًا، سواء شاءت المؤسسة ذلك أم لا.

مثال توضيحي:
حين تصدّر هاشتاغ #DeleteUber عام 2017، لم يكن الأمر مجرد ردة فعل على قرار إداري لحظي، بل كان انفجارًا لصورة ذهنية سلبية تراكمت تدريجيًا عن الشركة بوصفها "مستغلة وغير أخلاقية"، مما أجبر الإدارة على تغييرات جذرية في الهوية والقيادة[2].

 

رابعًا: هل نُطارد التريند أم نصنعه؟

هنا يأتي التحدي الأكبر: كيف تتفاعل العلاقات العامة مع التريند دون أن تتحول إلى "مستهلك" لهوية الآخرين؟
هل تكتفي بالمشاركة في موجات الرأي العام؟ أم تخلق موجتها الخاصة؟

العلاقات العامة الناجحة اليوم يجب أن تتبنى ثلاثة مستويات من التفاعل:

  1. استشعار التريند قبل أن يتحول إلى موجة عامة.
  2. استغلال اللحظة الإعلامية لتأكيد الرسائل الجوهرية.
  3. رفض التفاعل أحيانًا، حفاظًا على الهوية والاتساق.

المطلوب إذًا ليس فقط أن تكون حاضراً في التريند، بل أن تكون مُحدّدًا لمعناه ومضمونه وموقعك فيه.

 

خامسًا: بين السرد الطويل والتفاعل اللحظي

المؤسسات التي تعتمد فقط على حملات سردية طويلة الأمد، قد تجد نفسها خارج اللعبة الإعلامية في لحظات الأزمات أو الفرص.
وفي المقابل، من تُسلم هويتها للتريند، قد تفقد مصداقيتها وثباتها.

الحل ليس في الاختيار بين "البناء البطيء" أو "الانتشار السريع"، بل في دمجهما. وهذا يتطلب مهارة إدارة الطبقات الثلاث للاتصال:

  • الرؤية الاستراتيجية (المدى الطويل).
  • الحملات الموضعية (المدى المتوسط).
  • التفاعل اللحظي (المدى القصير).

 

الخاتمة:

الصورة الذهنية ليست لوحة ترسمها المؤسسة بمعزل عن الآخرين، بل هي نتاج تفاعلي دائم بين ما تقوله المؤسسة، وما يقوله الإعلام، وما يختبره الجمهور، وما يُنتج في ثقافة التريند.

في هذا الزمن الذي تحكمه اللايقينية، تصبح العلاقات العامة الناجحة هي القادرة على خلق توازن معقد بين الثبات والمرونة، بين الهوية واللحظة، بين الرسالة والعاطفة.
أما من لا يفهم قواعد الصورة في زمن التريند، فسيجد نفسه خارج الوعي الجماهيري... مهما كانت واقعيته أو نواياه.

 

تعليقات

الكلمات الدلالية