تمهيد
تشهد الساحة الفكرية والسياسية المعاصرة تباينًا واضحًا وخطيرًا في منهجيات تحليل الأحداث السياسية، خاصة في الإطار الإسلامي. ويبرز هنا صراع حقيقي بين منهجين متناقضين: التحليل السياسي المنضبط بالشرع القائم على الأصول الفقهية والسياسة الشرعية الراسخة، والتحليل الدجلي الذي يتلبس بثوب الشرعية وهو يخالف جوهرها ومقاصدها.
هذا التباين ليس مجرد خلاف أكاديمي، بل له تداعيات خطيرة على الوعي العام، وتشكيل الرأي، وتوجيه الجماهير نحو قرارات مصيرية. وقد تفاقمت هذه الظاهرة مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، والأحداث المتتالة (غزة ، سوريا ، ايران ، الخليج ، مصر ...)، حيث برز ما يمكن تسميته بـ"المحلل الدجال" الذي يتكسب من الأحداث، ويروج للأوهام، ويستغل معاناة الشعوب لبناء شهرته أو خدمة مخطط عدائي على الأمة على حساب الحقيقة والأمانة العلمية.
الفصل الأول: الأسس المنهجية للتحليل السياسي الشرعيالمبحث الأول: الأصول النقلية والعقلية
يقوم التحليل السياسي الشرعي المنضبط على أساس راسخ من الاستناد إلى المصادر الشرعية المعتبرة، فهو لا يعتمد على الهوى أو الظن أو التخمين، بل يستند إلى:
أولاً: القرآن الكريم والسنة النبوية، باعتبارهما المصدرين الأساسيين للتشريع والتوجيه. فعندما يحلل الأحداث السياسية، يربطها بالنصوص الشرعية الصريحة، كقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6].
ثانياً: الإجماع المعتبر من العلماء في المسائل السياسية والاجتماعية التي تحتاج إلى رأي جماعي منضبط.
ثالثاً: القياس الصحيح الذي يراعي علل الأحكام وحكمها، فلا يقيس ما لا يصح قياسه، ولا يهمل الفروق الجوهرية بين الحوادث.
رابعاً: المصالح المرسلة التي تحقق مقاصد الشريعة الخمسة: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال. فالمحلل الشرعي يزن كل موقف سياسي بميزان هذه المقاصد.
مثال تطبيقي: عندما يحلل المحلل الشرعي شرعية الاحتجاج السلمي ضد الظلم، فإنه يستند إلى أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من القرآن والسنة، مع مراعاة ضوابط الفقهاء في تقدير المصلحة والمفسدة، وتحقيق مقصد حفظ النفس والمال من جهة، ومقصد حفظ الدين ومقاومة الظلم من جهة أخرى ، وما يقدم وما يؤخر.
المبحث الثاني: الموضوعية والعدل في التحليلمن أهم سمات التحليل السياسي الشرعي التزامه بالإنصاف وعدم التحيز، عملاً بقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ وَالْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [النساء: 135]. وقوله سبحانه: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} [المائدة: 8]
هذا يعني أن المحلل الشرعي:
- يقرّ بالحق حتى لو جاء من خصومه أو أعدائه
- ينتقد الباطل حتى لو صدر من أوليائه أو حلفائه
- يميز بين الأشخاص والمواقف، فقد يخطئ الشخص في موقف ويصيب في آخر
- لا يعمم الأحكام بل يقيم كل حادثة بمعيارها الخاالمبحث الثالث: التدرج ومراعاة الواقع
يتميز التحليل السياسي الشرعي بقدرته على الموازنة بين الثوابت الشرعية والواقع العملي، فهو لا يعيش في برج عاجي منقطع عن الواقع، ولا ينزل عن الثوابت الشرعية مجاملة للواقع. بل يسعى إلى تحقيق الممكن دون تنازل عن الأصول، عملاً بالقواعد الفقهية المعتبرة:- "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"
- "الضرر يزال"
- "الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف"
- "إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما"
وغير ذلك من القواعد
المبحث الرابع: التثبت والتبينمن أهم أصول التحليل السياسي الشرعي التثبت من الأخبار والمعلومات، عملاً بقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6].
هذا يتضمن:
- التأكد من صحة المصادر ومصداقيتها- التحقق من صحة النقل وعدم التلاعب فيه
- فهم السياق الذي وردت فيه الأخبار
- عدم البناء على الشائعات أو الأخبار غير المؤكدة
الفصل الثاني: سمات التحليل الدجلي غير المنضبطالمبحث الأول: الانحياز الأيديولوجي المقنع
يتميز التحليل الدجلي بأنه يقدم رؤية مسبقة محددة تحت غطاء "الشرعية"، وهو ما يجعله خطيراً لأنه يخدع الناس باستخدام المصطلحات الشرعية لخدمة أغراض أيديولوجية ضيقة.
من مظاهر هذا الانحياز:- تأييد أنظمة استبدادية بحجة "السمع والطاعة" مع إغفال متعمد لنصوص مقاومة الظلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
- تبرير القمع السياسي بقولهم "الخروج على الحاكم حرام"
- استخدام انتقائي للنصوص يخدم الموقف المسبق ويتجاهل النصوص المعارضة
مثال واضح: بعض "المحللين" يستشهدون بحديث "من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر" لتبرير الصمت على كل أنواع الظلم، متجاهلين أحاديث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقول النبي ﷺ: "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر".
المبحث الثاني: التعميم والخطاب العاطفييلجأ التحليل الدجلي إلى التعميم والأحكام المطلقة دون أدلة كافية، مستفيداً من الشحن العاطفي لإقناع الجمهور. من مظاهر ذلك:
- تعظيم العدو " القوى العظمى"- الغلو في نظرية المؤامرة "الماسونية والتحكم بالعالم والاحداث"
- اتهام كل المعارضين بـ"الخوارج" أو "التبعية للغرب" دون تمييز بين المعارضة المشروعة والمعارضة الباطلة
- وصف كل الاحتجاجات بأنها "فوضى" دون تمييز بين السلمي والعنيف، والمشروع وغير المشروع
- استخدام العبارات الرنانة والشعارات العاطفية لتغطية ضعف الحجة والدليل
المبحث الثالث: الجهل بالواقع أو تجاهله المتعمدمن أخطر سمات التحليل الدجلي أنه يفتقر إلى فهم الوقائع السياسية المعقدة، أو يتجاهلها عمداً لتبسيط الأمور أو تعظيمها بطريقة مضللة. من مظاهر ذلك:
- تحليل الصراعات الدولية بمنظور "المؤامرة" فقط دون اعتبار العوامل الاقتصادية والاجتماعية والتاريخية المعقدة وأهمها العقدية
- تفسير كل الأزمات في العالم الإسلامي بـ"الصراع مع الكفار" وحسب مع إغفال متعمد لفساد النخب المحلية وضعف الأنظمة الداخلية
- التنبؤ بأحداث وهمية دون استناد إلى معطيات واقعية، بل بناء على أوهام وتمنيات شخصية
المبحث الرابع: التكسب من الأحداث والاتجار بالآلامهناك ظاهرة خطيرة وهي وجود "المحلل العسكري" صاحب الأوهام والأحلام، ذاك الذي اتخذ من الأحداث سوقاً يتكسّب فيها، وجعل نفسه مرجعاً يُفتي ويتكلم باسم التحليلات والتوقعات الجهنمية.
هؤلاء الدجالون يتميزون بأنهم:- يسوقون للأخبار من صفحات مشبوهة (الشيعة والروس والصهاينة) ثم يطوعونها لخدمة أهوائهم.
- ينشرون الأكاذيب باسم النصح والتحليل، ويغرقون متابعيهم في بحار الوهم والمهزلة.
- يستغلون كل حدث ليقولوا "ألم أحذركم؟!" وهم لا يحذرون إلا ليضخموا ذاتهم ويروجوا لنبوءاتهم الكاذبة.
- يبشرون بحروب إقليمية طاحنة تسقط الطواغيت وتخفف عن المظلومين، ثم لا يحصل شيء.
- يتعلقون بأي معركة تلوح في الأفق، وإذا هدأت خمدوا وتوارَوا ينتظرون وهماً جديداً
(هذا المبحث إقتباسات من شؤون إسلامية ).هذا الأمر يجعل الإنسان يتأرجح بين الخوف والتواكل والتباطئ والإستسلام للواقع ..
الفصل الثالث: معايير التمييز بين النوعينالمعيار الأول: طبيعة الاستدلال
في التحليل الشرعي: يربط الحكم بأدلته التفصيلية الصحيحة، وبيان كيفية التوفيق بينها حسب الظروف والأحوال.
في التحليل الدجلي: ينتقي النصوص التي تؤيد رأيه المسبق، ويتجاهل ما يعارضه، أو يحمّل النصوص ما لا تحتمل من المعاني.المعيار الثاني: الشفافية والمسؤولية العلمية
في التحليل الشرعي: يحدد بوضوح ضوابط الاجتهاد التي يعتمد عليها، ويقر بإمكانية الخطأ، ويرحب بالنقد البناء والمراجعة العلمية.
في التحليل الدجلي: يدعي اليقين المطلق في أمور اجتهادية، ويتهم مخالفيه بالخيانة أو الجهل أو سوء القصد، ويرفض أي نقد أو مراجعة.
المعيار الثالث: النتائج العملية والمآلاتفي التحليل الشرعي: يقيّم السياسات والمواقف بمعيار المصلحة الشرعية الحقيقية، كرفض التحالفات مع القوى المعادية إذا تضمنت إذلالاً للمسلمين أو تنازلاً عن الثوابت.
في التحليل الدجلي: يبرر أي موقف لصالح جهة سياسية معينة تحت شعار "المصلحة" دون ضوابط شرعية حقيقية.
المعيار الرابع: التعامل مع التنبؤات والتوقعاتفي التحليل الشرعي: يتجنب ادعاء علم الغيب، ويقدم تحليلاً للمعطيات الموجودة مع بيان احتمالات متعددة، ويؤكد أن العلم بالغيب لله وحده.
في التحليل الدجلي: يقدم تنبؤات قاطعة كأنها حقائق مؤكدة، ويستغل عواطف الناس وآمالهم للترويج لتوقعاته الوهمية.
الفصل الرابع: آليات التطبيق والممارسةآلية التحقق من المصادر
على المتلقي أن يسأل نفسه:
- ما هي مصادر هذا المحلل؟ هل هي موثوقة ومتنوعة أم منحازة ومشبوهة؟- هل يشير إلى مصادره بوضوح أم يكتفي بعبارات عامة مثل "مصادر موثوقة" أو "معلومات خاصة"؟
- هل يتعامل مع المصادر المخالفة لرأيه بإنصاف أم يتجاهلها أو يشوهها؟
آلية فحص الاستدلال الشرعي- هل الاستدلال كامل وسليم؟ أم أنه انتقائي يخدم غرضاً مسبقاً؟
-هل يراعي السياق الذي نزلت فيه النصوص والقواعد الفقهية؟
- هل يوازن بين النصوص المختلفة أم يقدم نصوصاً ويهمل أخرى؟
آلية تقييم الواقعية والمنطق
- هل التحليل يتفق مع الواقع المعروف والمعطيات الموضوعية؟
- هل التوقعات منطقية ومبنية على أسس أم مجرد أوهام وتمنيات؟
- هل سبق أن تحققت توقعات هذا المحلل أم أنه يفشل باستمرار ثم ينتقل لتوقعات جديدة؟
آلية كشف الدوافع الخفية- هل المحلل يستفيد مادياً أو معنوياً من مواقفه السياسية؟
- هل يغير مواقفه حسب المصلحة أم يلتزم بثوابت واضحة؟
- هل يركز على تضخيم ذاته أم على خدمة الحقيقة والمصلحة العامة؟
- بتتبعه هل له أجندة خارجية يتلون بتلونها ؟
الفصل الخامس: الأضرار والمخاطرأضرار التحليل الدجلي على الوعي العام
التحليل السياسي الدجلي لا يقتصر ضرره على تضليل الرأي في قضية واحدة، بل له تأثيرات مدمرة على المدى الطويل:
أولاً: تشويه الوعي الشرعي، حيث يختلط الحق بالباطل في أذهان الناس، ويصبح من الصعب التمييز بين الموقف الشرعي الصحيح والموقف المنحاز.ثانياً: زعزعة الثقة في العلم الشرعي، فعندما تفشل تنبؤات هؤلاء "المحللين" مراراً وتكراراً، قد يفقد الناس الثقة في الخطاب الديني عموماً.
ثالثاً: إهدار الطاقات، حيث تنشغل الجماهير بأوهام وتوقعات كاذبة بدلاً من التركيز على الأعمال المثمرة والواقعية.
رابعاً: خلق حالة من اليأس والإحباط عندما تتكشف حقيقة هذه الأوهام وتسقط التوقعات الكاذبة.المسؤولية الجماعية في مواجهة الظاهرة
لا يمكن إلقاء اللوم على هؤلاء المحللين الدجالين فقط، بل هناك مسؤولية جماعية تتطلب:
من العلماء والمختصين: كشف هذه الممارسات الخاطئة وبيان المنهج الصحيح في التحليل السياسي الشرعي، وعدم السكوت عن الانحرافات خوفاً من "الفتنة".
من وسائل الإعلام: التحقق من مصداقية من تستضيفهم أو تنشر لهم، وعدم إعطاء منصات لمن ثبت كذبهم وانحرافهم.
من الجمهور: تحمل المسؤولية في التحقق والتدبر، وعدم التسليم الأعمى لأي محلل مهما كانت شهرته أو بلاغته.
خاتمة: نحو تحليل سياسي راشدالتحليل السياسي الشرعي المنضبط هو جهد اجتهادي نبيل يجمع بين النص والواقع، ويسعى لخدمة المصلحة العامة للأمة بعيداً عن الأهواء والمصالح الضيقة. وهو عمل يخضع للمحاسبة العلمية والمراجعة المستمرة.
أما التحليل الدجلي فهو أدلجة مقنعة تبحث عن تبرير الهوى وخدمة المصلحة الشخصية أو مصالح العدو تحت غطاء شرعي زائف. وهو خطر على الدين والدنيا معاً.
وعلى المسلم الواعي أن يتسلح بآليات النقد والتمييز:
- سؤال الأدلة الشرعية ومدى اتساقها وشمولها
- تحليل السياقات التاريخية والاجتماعية للأحداث
- استشارة أهل الاختصاص في الفقه والسياسة معاً
- التحقق من المصادر والمعلومات
- تقييم النتائج العملية للمواقف والتحليلات
قال ابن القيم رحمه الله: "من أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عرفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم فقد ضل وأضل، وكانت جنايته على الدين أعظم من جناية من طبب الناس كلهم على اختلاف بلدانهم وعوائدهم وأزمنتهم وطبائعهم بما في كتاب من كتب الطب على أبدانهم".
فالتحليل السياسي الراشد هو الذي يوحّد بين الحق والواقع، بين النص والمصلحة، بين الثبات على الأصول والمرونة في التطبيق وقراءة سنن الله الكونية والشرعية، بعيداً عن الدجل والتضليل والاتجار بآلام الأمة وآمالها.
إن الأمة في أمس الحاجة إلى تحليل سياسي شرعي منضبط، يضيء لها الطريق في ظلمات الفتن والأزمات، ويعينها على اتخاذ القرارات الصحيحة بناء على فهم صحيح للشرع والواقع معاً. وهذا لا يتحقق إلا بالعلم والعدل والصدق والأمانة، وهي صفات يفتقر إليها المحللون الدجالون الذين جعلوا من مصائب الأمة سوقاً للتكسب والشهرة والآخرون مخابرات في صفة محللين.
نسأل الله أن يهدي ضال المسلمين، وأن يكشف زيف المضللين، وأن يوفق الأمة لما فيه صلاحها في الدين والدنيا.
اكتب مراجعة عامة