أ. مروان البحري
منسق منصة مفكر، باحث في القانون الإقتصادي، محلل سياسي تونسي
في زمنٍ صارت فيه الكلمة جريمة، صار الصمت عقيدة، والقضايا العادلة عبئًا ثقيلًا على عواصم ارتضت أن تنسى. في هذا الزمن، تُحاصر غزة بالصواريخ، وتُحاصر الشعوب بالنظام العام.
هناك تحت الركام تُولد الحياة، وهنا فوق الإسفلت تُكمم الفكرة. هناك مقاومة تُبدع في فن البقاء، وهنا سلطة تُتقن فن القمع.
في الشرق الممتد بين الخنوع والتواطؤ، تتكرر المأساة: أنظمة تُراكم الخوف بدل القوة، وتبني السجون بدل المواقف، وتُخاطب العالم عن “السيادة” بينما لا تملك حتى حرية أن تُصرّح بما تؤمن به.
لكن ما يعجز عنه القصف والحصار يستطيع القمع الداخلي أن يحققه: خنق الرأي، وتحويل القضية الوطنية إلى ملف يُدار في زوايا الظلام بعيدًا عن فضاءات الوعي الجماهيري. في هذا الواقع المُعقّد، تزداد الأسئلة: هل ستتمكّن هذه الأنظمة التي تخشى الكلمة من مقاومة غطرسة المشروع الصهيوني؟ أم أن المقاومة الحقيقية تبدأ حيث يُحرّر الناس صوتهم ويعيدون بناء إرادتهم الحرة؟
الكلمة… بوابة لتحرير الوعي وبناء المقاومة الشعبية
لم تكن الكلمة في التاريخ مجرّد وسيلة تعبير عابرة، بل كانت دائمًا منطلق الثورة والحراك الوطني. ففي كل ثورة عالمية معروفة، من نيلسون مانديلا إلى تشي جيفارا، ومن ساحات التحرير في الشرق الأوسط إلى شوارع ليما وبوينس آيرس، كانت الكلمات — الخطابات، الأشعار، الأغاني، البيانات السياسية — هي الوقود الذي أشعل الحراك وحرّك الجماهير.
الكلمة هي ترجمة الحلم إلى فعل، هي بناء الهوية الوطنية، هي إعلان الرفض، وهي في جوهرها أشدّ من أي صاروخ يمكن إطلاقه على الأرض. حجب الكلمة هو حرمان للناس من حريتهم في الحلم والمقاومة، وقبل أن تبدأ معركة الأرض، يجب أن تبدأ معركة تحرير العقول واكتساب المناعة ضد الاستبداد.
على سبيل المثال، في جنوب إفريقيا، لم يكن النضال ضد نظام الفصل العنصري فقط عبر المظاهرات والضغط الدولي، بل عبر خطاب حرّ أدرك أن الكلمة وحدها قادرة على هدم جدار العنصرية الفكرية. وفي أميركا اللاتينية، لعب الأدب الثوري دورًا في استنهاض الوعي الشعبي. الفلسطينيون أنفسهم، على مدى عقود، صنعوا من الكلمة حصونًا لا تُقهر ضد محاولات الطمس والاحتلال.
حين تصبح القضية عبئًا على السلطة
لم تعد القضية الفلسطينية بالنسبة لبعض الأنظمة “قضية أمة” مقدسة، بل تحولت إلى عبء ثقيل يربك مراكز القرار. هذا الانقلاب في المقاربة لا يظهر فقط في الخطاب السياسي، بل في تراجع الاهتمام الإعلامي الحكومي، والتجاهل الممنهج للمجازر التي تتعرض لها غزة، حيث تُستبدل التغطيات الواقعية بعناوين باهتة أو بيانات رسمية جامدة.
هذا التغييب ليس صدفة، بل يعكس توجّهات استراتيجية واضحة تُفضّل مصالح النظام الداخلية على حساب المواقف الوطنية الأصيلة. فالقضية الفلسطينية، التي تمثل رمزًا للكرامة والمقاومة، تُعتبر في حسابات السلطة خطرًا على تماسكها، إذ تستنهض مشاعر الجماهير وتُعيد تشكيل الوعي الجمعي تجاه الأمة.
وهذا لا يقتصر على أنظمة بعينها فقط، بل هو نموذج متكرر في العالم العربي، حيث تُفضّل أنظمة القمع أن تُحاصر القضية من الداخل قبل أن تُحاصرها الصواريخ من الخارج، ليتحول صوت الشعب إلى عبء وأزمة تُخشى أكثر من الاحتلال ذاته.
العدو الحقيقي كما تراه الأنظمة
في مشهد درامي مؤلم، تُعطي أنظمة القمع الأولوية لاعتقال ناشط رفع علم فلسطين على رصد اختراقات العدو لأجوائها. وتسارع أنظمة أخرى إلى كبت الأصوات الحرة أكثر مما تُسارع إلى حماية حدود الوطن.
هذا الانقلاب في تحديد الأولويات ليس عيبًا عابرًا، بل هو دلالة على أزمة عميقة في طبيعة النظام ومفهومه للأمن. فالصحفي المستقل، والناشط، والمواطن الذي يعبر عن موقفه، يُعتبر تهديدًا، بينما يُحتفى بأصحاب مشاريع التطبيع، التي في جوهرها تقبل بالاحتلال وتطبع الجريمة.
هنا، تتحوّل الكلمة إلى تهديد وجودي للسلطة، والذاكرة الجماعية تصبح عبئًا ثقيلًا يجب محوه أو تحريفه. لهذا السبب، كل فعل مقاومة بالكلمة، حتى لو كان في مظاهرة سلمية، يُقابل بالقمع، بينما تُغلق الأبواب أمام منابر الحقيقة.
الطريق إلى القدس لا يمرّ عبر عواصم القمع
لا بد من أن نُدرك أن الطريق إلى القدس ليس ممرًا عابرًا لمكاتب الأمن أو غرف التنسيق مع الأنظمة القمعية. التحرير الحقيقي يبدأ من الشعب، من القاعدة الشعبية التي لا تقبل الذل ولا التنازل، ومن قدرة المجتمعات على التعبير عن ذاتها بصدق وحرية.
مشاريع التحرير التي تُفرض من فوق، والتي تحاول أن تُغلفها مصالح أمنية وسياسية، لن تثمر إلا مزيدًا من الفشل والتآمر على النضالات الحقيقية. حرية التعبير، بغض النظر عن شكلها، هي الشرط الأوّل لكل مقاومة حقيقية ونجاح لأي مشروع تحرري.
كل صوت يُخنق، وكل حق يُحرم، هو تأجيل مُتعمد لساعة التحرير. وبدون حراك شعبي حرّ، لا يمكن أن تتقدم قضية فلسطين، ولا يمكن أن تُبنى أي دولة حرة ومستقلة.
شرعية مغشوشة تُصنع من صمت القضايا
الأنظمة الاستبدادية تعتمد في جوهرها على فرض الصمت، وليس على المشاركة الشعبية الحقيقية. هي لا تستمد شرعيتها من إرادة شعبها، بل من قدرتها على إحكام قبضتها على السردية العامة، وضبط كل صوتٍ معارض.
بالنسبة لهذه الأنظمة، تمثل فلسطين خطرًا مزدوجًا:
خطرًا خارجيًا يتمثّل في ما تبقى من رمزية المقاومة التي تُحرج خيارات التطبيع وتُهدد سردية الانصياع وتُعرّي خطابها الزائف حول السيادة والممانعة، وخطرًا داخليًا من الاحتجاجات والوعي الشعبي الذي قد يستنهض مطالب التغيير والعدالة. لهذا السبب، تفرغ القضية من محتواها النضالي، وتحوّلها إلى شعارات موسمية تُستخدم فقط للتجميل الخطابي.
هذه الشرعية الزائفة تزيد الهوّة بين السلطة والشعب، وتؤدي إلى مزيد من الانفصال والاحتقان، مع استمرار تراجع دور الشعوب في تقرير مصيرها وقضاياها الأساسية.
حين تتحوّل فلسطين إلى مرآة للأنظمة العربية
القضية الفلسطينية لم تكن يومًا مسألة خارجية محضة، بل هي مرآة تعكس الواقع الداخلي للأنظمة السياسية العربية ومدى احترامها للحرية والكرامة والعدالة. كلما ضعف الالتزام بالقضية الفلسطينية، ضعف معه التزام هذه الأنظمة بحقوق شعوبها.
الموقف من فلسطين أصبح معيارًا يقيس مستوى الحرية الداخلية. الأنظمة التي تَقمَع معارضيها وتُضيّق على كل صوت حر، لن تستطيع أن تنصر القضية الحقيقية لشعبها، ومن ثم لا يمكنها الدفاع عن شعب آخر.
لذلك، إن فشل الأنظمة في نصرة القضية الفلسطينية لا يعني فقط خسارة رمزية، بل يشير إلى أزمة أعمق في العلاقة بين السلطة والشعب، وإلى هشاشة مشروعاتها السياسية.
انهيار المفاهيم… من أمن الدولة إلى أمن النظام
أحد أبرز مظاهر الانحراف في أنظمة الحكم الاستبدادية هو الخلط المتعمد بين مفهوم “أمن الدولة” و”أمن النظام”. الدولة التي يفترض أن تُدار لصالح شعبها وتُحافظ على مصالحه العليا، تحوّلت في ممارسات هذه الأنظمة إلى مجرد أداة لحماية السلطة من النقد والرقابة.
ضمن هذا الإطار، تصبح كل كلمة تُحرّك الوعي أو تُثير النقاش “خطرًا أمنيًا”، وتُعتبر كل مبادرة شعبية “مؤامرة”، وكل تضامن مع فلسطين “تسييسًا مرفوضًا”.
هذه الفجوة بين المفهوم النظري والأداء العملي تقتل أي أمل في مشروع تحرري حقيقي، وتعمّق مأساة الشعوب.
كيف نُحرّر الكلمة؟
يا شعوب هذه الأرض المُضطهدة،
يا نُخبًا تعبت من المجاملة،
إن معركة الكرامة تبدأ من الكلمة، من الموقف، من الجرأة على تسمية الأشياء بأسمائها. لا يُمكن أن نُناصر غزة ونحن نرتجف من منشور، أو نُخفي تضامننا في صمتٍ مذعور. لا مقاومة من دون حرية، ولا حرية من دون وعي، ولا وعي من دون كلمة تُقاوم الخوف.
إن المعركة اليوم لا تقتصر على تسليط الضوء على قيمة الكلمة الحرة ودورها في تحفيز الناس، بل تتعداها إلى ضرورة توفير مناخات الجرأة لصناعة الكلمة وتحريرها من مكبّلات الخوف والاستكانة. لا يكفي أن نؤمن بالكلمة، بل يجب أن نحمي حق الناس في قولها، في تشكيلها، في صقلها داخل فضاءات الحرية والعمل المشترك.
دور النخب والمفكرين والصحفيين لا يجب أن يُختزل في التنظير أو الشجب، بل في تأطير المجتمعات، وبناء جسور الثقة بينها وبين الوعي الجماعي، وتوفير أدوات الفهم والعمل والجرأة. إنّ منابر المقاومة لا تُبنى فقط بالسلاح، بل بصوتٍ حرّ يُجرّئ الناس على الصراخ في وجه القمع، وعلى قول “لا” حين تُراد لهم “نعم”.
فكيف نصنع المناخ المناسب لتحرير الكلمة؟
هذا هو السؤال الجوهري الذي لا يجب أن يُهمَل. لا يمكن أن تُولد مقاومة حقيقية ما لم تُنزع القيود عن الحناجر، وما لم يشعر الإنسان العربي بأن كلمته تُشكّل قيمة وليست جريمة، وأن تضامنه مع فلسطين امتداد طبيعي لحقه في الحرية والكرامة داخل وطنه.
اكتب مراجعة عامة