img
img

أهداف ضرب الكيان لسوريا "حين تحول الدروز لحصان طروادة"

img
منصة أفق السياسة

أهداف ضرب الكيان لسوريا "حين تحول الدروز لحصان طروادة"

 أ. عصام بدكوف 

إعلامي


الدروز الذين لا تتجاوز نسبتهم في سوريا 3%، تعايشوا مع أهل الشام، وانسجموا مع المجتمع السوري ومختلف أطياف الوطن الواحد.

لقد انقسم الدروز أثناء حكم الأسد.. فثلة قليلة منهم عارضوه وأسقطوا تمثاله، لكن لم نشهد أي تمرد أو تصعيد ضده كما نراه في أيامنا هذه، رغم أن الحكومة السورية الجديدة أدمجتهم وأعطتهم امتيازات كباقي طوائف الدولة، تحت مبدأ الوحدة الوطنية.

 لكن استنجاد الدروز بالكيان فور نجاح الثورة، ورد فعله بحمايتهم، يؤكد ارتباطهم ببعضهم البعض، وأنهم أداة في يد "شيطان الشرق الأوسط".. فدروز فلسطين المحتلة ميليشيات مجندة لدى الاحتلال، ودروز سوريا أداة لضرب الوحدة وورقة ضغط تثير الأزمات، حالمين بإنشاء كيانهم المستأصل من دولة سوريا.

في التمرد الأخير في السويداء، شاهدنا فيديوهات مجازرهم بحق أهالي السنة هناك، فيديوهات لأجساد مزّقت، ولمن أُلقي بهم من أسطح المباني، ومن أُجبر على الكفر.. كل أصابع الاتهام تشير إلى دولة الاحتلال، من فوقها الغرب الإمبريالي، ومن تحتها الدروز الذين استُخدموا كسلاح (وستنتهي صلاحيتهم). والسؤال الذي يجب أن يُطرح: لماذا دفع بهم الكيان في هذا الوقت بالتحديد؟

ونؤكد أن دعم اليهود لهم، وقصفهم لأهداف داخل سوريا، ليس حبًّا لهم، بل من أجل مصالح الكيان المحتل العسكرية التوسعية، والاستراتيجية الأمنية والاقتصادية.

فما إن انتصرت الثورة السورية، حتى اشتغلت آلة الحرب الصهيونية، ونفذت عدة عمليات عسكرية قبل تأسيس أركان الدولة وتشكيل حكومتها. دُمّرت الترسانة العسكرية، ومعظمها تلك التي تركها النظام البائد بعد تسليمها إحداثياتها. تلت هذه العملية عمليات أخرى، حتى تصاعدت مع تمرد الدروز الذي وصل إلى قصف مقر هيئة أركان الجيش، والمنتظر تصعيدٌ أعلى خلال الأسابيع المقبلة (إلا إذا كانت لدى سوريا خطة بديلة، سواء بتشمير الأيدي أو الخضوع).

شبح طوفان الأقصى

 نزع السلاح وإضعاف الدولة السورية حتى لا تشكل تهديدًا للكيان، وعدم قدرتها على مواجهة أي عدوان من الاحتلال، مع الحرص على تدمير أي تقدم، لإبقائها متخلّفة. كل ذلك يأتي في ظل شبح "طوفان أقصى" جديد، وهي ما زالت عالقة في غزة منذ 7 أكتوبر 2023. مع العلم أن سوريا أعلنت في أكثر من مناسبة أن جلّ اهتمامها الآن ينصبّ على القضايا الداخلية، وعملية البناء والتنمية، وأنها لا تشكل تهديدًا لأي جهة.

ضمان استمرار الحضارة الغربية

إبقاء سوريا ضعيفة، غارقة في الأزمات الداخلية، بتمزيق نسيجها الاجتماعي، وإثارة الفتن والانقسامات، وإضعاف المنظومة التعليمية والمكينة الاقتصادية، كلها تدخل ضمن استراتيجية لضمان استمرار الحضارة الغربية.

 المؤرخ البريطاني "أرنولد توينبي"، أحد أشهر من تحدثوا عن مسألة الحضارات، يذكر أن بريطانيا، بعد أن بنت إمبراطورتيها وأسست إرث الحضارة الغربية، كانت تدرك أن الحضارات تنهض وتقوى، ثم تضعف وتندثر. وعليه، أعدّت خطة لتسليم مشعل الحضارة في حالة ضعفها، لضمان استمرارها حتى بعد سقوطها، فتبقى الحضارة الغربية المسيحية.

وقد قسّمت العالم إلى ثلاث مساحات: الأولى، وهي عموم الدول الغربية والمسيحية، ويمكن أن نقول أنهاوسلّمت المشعل للولايات المتحدة الأمريكية. الثانية، وهي المساحة الصفراء، وتضم الدول التي يمكن التعامل معها تجاريًا، والتحالف معها، وغزوها ثقافيًا لهشاشة منظومتها. والثالثة، وهي المساحة الخضراء التي تُقمع، ولا يُسمح لها بالتقدم، ويُبقى عليها متخلّفة، من خلال زرع عوامل التفرقة وضياع الشعوب. وهي الأمم المتمسكة بإرثها الثقافي والديني... وفي أعلى الهرم نجد الأمة الإسلامية بدولها قاطبة. فنهوض سوريا (التي لا يفصلها عن الكيان الوظيفي المدسوس في قلب أمتنا سوى الدروز وأراضي سوريا المحتلة) يشكل تهديدًا لاستمرار هذه الحضارة في المنطقة.

إسرائيل الكبرى وممر داوود:

 دعم الدروز لتمردهم على وحدة سوريا وسعيهم لتفكيكها، يدخل ضمن محاولة لتأسيس سايكس بيكو جديد، عبر إنشاء دولة أو فيدرالية للدروز في الجنوب، وللأكراد في الشمال، بما يُمهد الطريق أمام الكيان المحتل لتحقيق حلم "إسرائيل الكبرى"، الممتد من النيل إلى الفرات، وهو مشروع مستمد من أسس دينية وتاريخية. ويتداخل هذا مع المشروع الاستراتيجي المسمّى "ممر داوود"، والذي يهدف إلى إنشاء طريق بري متصل من المناطق الكردية شمال سوريا وصولًا إلى الجولان المحتل، لتقوية النفوذ الصهيوني الذي لن يكون سوى بدعم الدروز والأكراد.

 ويستفيد الاحتلال اقتصاديًا من فتح خط لتصدير النفط من الحقول الكردية إلى موانئ فلسطين المحتلة، وعسكريًا عبر فصل الشرق عن الغرب، ما يمنع مرور الإمدادات الإيرانية إلى ميليشياتها، وعلى رأسها حزب الله في لبنان. وما يؤكد نية الاحتلال تجسيد هذا المشروع، ما رافق تمرد الدروز من مجازر، وخروج "حكمت الهجري" شيخ عقل الطائفة الدرزية ببيان يطالب فيه بفتح طريق نحو المناطق الكردية، وهو مطلب بعيد عن الواقع.

 وتبقى أهداف الكيان وحلفائه في التآمر على أمن سوريا عبر تحريض الدروز طويلة وعريضة، منها: ممارسة الضغط على الحكومة من أجل الخضوع كشرط لرفعهم العقوبات، توسيع المنطقة الحدودية الآمنة مع انسحاب قوات الأمن السورية من مناطق الدروز، ويتعدى الضغط ليصل إلى محاولة فرض التفاوض حول الاعتراف بأحقية الاحتلال في الجولان، وكذا فرض "اتفاقيات أبراهام"، والتي تعني التطبيع بكل بساطة.

ما يجري في السويداء ليس تمردًا عابرًا، بل فصل جديد من فصول تفكيك سوريا الجديدة، تُستخدم فيه الطوائف كأدوات لصراعات خارجية. والمؤامرة على وحدتها التي تقودها قوى لا تريد لسوريا أن تنهض، وهي نفس القوى التي لا تريد للأمة أن تتوحّد.

تعليقات