أ.مصطفى عبدالحسيب الدناور
حين يصبح الدين منصة للكراهية وتبرير الفوضى
منذ اندلاع الأزمة السورية، كانت السويداء محافظة بعيدة نسبيًا عن الاشتباك العسكري، محتفظة بهويتها الروحية والثقافية ضمن الفسيفساء السوري. لكن ما تشهده اليوم من توتر دموي ومواقف سياسية متطرفة، يكشف انقلابًا داخليًا تقوده مجموعة ميليشياوية متطرفة تنسب نفسها لشيخ العقل حكمت الهجري، الذي بات مركزًا لخطاب طائفي خطير، يُهدد وحدة البلاد واستقرارها.
من رجل دين إلى زعيم ميليشياوي، يُطل حكمت الهجري بتصريحات لا تعبّر عن الروح الدرزية المعتدلة، بل تنضح بكراهية مُبطّنة لكل ما هو خارج الطائفة، خاصة تجاه العشائر العربية والسلطة المركزية.
مواقفه الأخيرة تتجاوز رفض التعاون مع الدولة لتصل إلى تحريض مباشر على تمرد مسلح، مستخدمًا سرديات فكرية ملوّثة بالعزلة والخوف والتفوق الديني، بل ويصوّر نفسه وميليشياته على أنهم "حماة الطائفة"، رغم أن أغلب الضحايا هم من المدنيين الدروز والعرب على حدٍّ سواء.
الهجري – في خطبه وتحركاته – يحاول إعادة تشكيل صورة السويداء كـ"منطقة مغلقة"، متعالية على باقي المحافظات، ورافضة للانخراط الوطني. وهذا خطاب لا يعبر عن حقيقة الناس بل عن وهم الزعامة.
منذ بداية الأزمة، أرسلت الحكومة السورية وفودًا سياسية ودينية إلى السويداء، عُقدت جلسات حوار، قُدمت ضمانات، وتوسّعت شبكات الخدمات. لكن ورغم ذلك، رفض الهجري التعاون، بل قام بفرض شروطه، وسخّف أي مبادرة وطنية، بل اتهم الدولة نفسها بالعمالة والانحلال.
هنا السؤال الأعمق: هل الهجري يريد إصلاحًا؟ أم يسعى لقيادة طائفة نحو مأزق التمرد وجعلها وقودًا لمشروع لا يعرف أحد نهايته؟ فحتى في أشد اللحظات، لم تبادر ميليشياته لحماية أبناء السويداء، بل كان نشاطها موجهًا لحصار خصومها وتصفية المعارضين لمشروع الانفصال الناعم.
أكثر ما يثير القلق هو تنامي العلاقات غير المعلنة بين الهجري وجهات دولية، بعضها إسرائيلية وأخرى أمريكية وفرنسية، وظهور خطط للتمثيل الخارجي للطائفة خارج إطار الدولة، بما يشبه تأسيس كيان موازي.
هذا الخطاب مدعوم بمنصات إعلامية تابعة له، تنشر رسائل تفكيكية، وتُهاجم كل محاولة تهدئة، في وقتٍ يتحدث فيه السوريون عن ضرورة المصالحة. وإن دلّ هذا على شيء، فهو على أن القيادة الروحية الدرزية لا تمثل الطائفة في مشروع الهجري الجديد، بل اختطفتها الميليشيا تحت عنوان “الحماية”.
ما يحدث في السويداء ليس دفاعًا عن الذات، بل مشروع تفكيك علني تحت غطاء الدين. والشيخ حكمت الهجري، الذي رفض الحوار وأشاع الكراهية، يتحمل المسؤولية المباشرة عن تمزّق النسيج الوطني هناك، وإشعال الفتنة الطائفية، وتغذية الانفصال الذهني لدى شباب الطائفة.
الدولة لم تخلِ مسؤوليتها، بل مدت يدها مرارًا، في حين ردّت الميليشيات بـ"مد اليد على الآخرين". والعودة إلى حضن الوطن لن تكون ممكنة ما دام الخطاب الطائفي يُشرعن الحقد ويبرر سفك الدم.
اكتب مراجعة عامة