أ.د. عصام اشويدر رئيس شبكة الرواد الإلكترونية ورئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة: الاستضعاف سنة ماضية
لقد مرت الدعوة الإسلامية في عهد النبي ﷺ بمراحل متعددة، منها مرحلة الاستضعاف والعجز الظاهري عن النصرة، حيث كان المسلمون الأوائل يعانون أشد أنواع التعذيب والاضطهاد من قريش، ولم يكن لدى النبي ﷺ - في تلك المرحلة - قدرة مادية على إنقاذهم سوى التصبير والدعاء. وهذا ما يتجلى في حديث خباب بن الأرت رضي الله عنه حين شكا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة في ظل الكعبة، فقال: " قَد كَانَ مَنْ قَبْلكُمْ يؤْخَذُ الرَّجُلُ فيُحْفَرُ لَهُ في الأَرْضِ فيجْعلُ فِيهَا، ثمَّ يُؤْتِى بالْمِنْشارِ فَيُوضَعُ علَى رَأْسِهِ فيُجعلُ نصْفَيْن، ويُمْشطُ بِأَمْشاطِ الْحديدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعظْمِهِ، مَا يَصُدُّهُ ذلكَ عَنْ دِينِهِ، واللَّه ليتِمنَّ اللَّهُ هَذا الأَمْر حتَّى يسِير الرَّاكِبُ مِنْ صنْعاءَ إِلَى حَضْرمْوتَ لاَ يخافُ إِلاَّ اللهَ والذِّئْبَ عَلَى غنَمِهِ، ولكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ" (رواه البخاري).
✓المنهج النبوي في التعامل مع الاستضعاف
1. التصبير وتربية الروح:
لم يكن رد فعل النبي ﷺ على شكوى أصحابه وعدًا بنصر عاجل، بل كان تذكيرًا بصبر السابقين، وتثبيتًا على الحق. فعندما مر على آل ياسر وهم يعذبون، قال: "صبرًا آل ياسر، موعدكم الجنة" (زاد المعاد). وهذا يدل على أن أول سلاح في زمن الاستضعاف هو الصبر والثبات، لأن النصر ليس مرتبطًا بالغلبة المادية فقط، بل بالإيمان والثبات على المبدأ.
2. الدعاء والالتجاء إلى الله:
في الحديث إشارة إلى أن النبي ﷺ لم يكن يملك إلا الدعاء، وهذا لا يعني العجز، بل هو اعتراف بحقيقة القوة الحقيقية، وهي أن النصر من عند الله. يقول ابن تيمية: "الدعاء من أقوى الأسباب في دفع البلاء قبل نزوله، ورفعه بعد نزوله".
3. البشارة بالنصر مع نفي الاستعجال:
قوله ﷺ: "والله ليتمنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه" يوضح أن النصر آتٍ، لكنه يحتاج إلى صبر وعدم استعجال، لأن سنن الله لا تتغير.
✓ الدروس المعاصرة: بين الواجب والتوكل
∆ الربط بواقع غزة ومعاناة المسلمين اليوم
اليوم، نعيش في زمن يشبه في بعض جوانبه عصر الاستضعاف الأول، وما تشهده غزة من معاناة وظلم يذكرنا بمعاناة المستضعفين من المؤمنين في مكة، حيث الظلم واضح، والعدوان صارخ، والإمكانيات محدودة. وكما وقف النبي ﷺ أمام بلال وآل ياسر وهم يُعذبون، ولم يكن بإمكانه أن يحمل السيف ويقاتل لأن الظروف لم تكن مهيأة لذلك، فنصرهم بما استطاع: بالدعاء والتصبير والبشارة بالجنة.
هذا درس عظيم في أن النصرة لها مراتب ودرجات، وكل إنسان مكلف بما يستطيع، لا بما يتمنى أو يحلم. ومن هنا نستلهم الدروس التالية:
1. النصرة بالمستطاع واجبة:
قال تعالى: "وَإٍن اسْتَنصَرُوكُم في الدين فَعَليكُم النصْر" (الأنفال: 72). فكل وسيلة ممكنة - من الدعاء، والمال، والضغط السياسي، والإعلام، وحتى الجهاد إن أمكن - هي واجبة بحسب القدرة.
من ينصر غزة بالدعاء الصادق، أو بالمال والتبرع، أو بالكلمة الصادقة في الإعلام، أو بالضغط السياسي ضمن الإمكانيات المتاحة، أو حتى بالوقوف في المظاهرات السلمية - كل هؤلاء منتصرون بما استطاعوا، وليسوا خاذلين.
لكن لا يجوز اليأس إن لم نستطع أكثر، لأن النبي ﷺ نفسه لم يستطع إنقاذ بلال أو آل ياسر إلا بالدعاء والتصبير استجابة لأمر الله.
2. التمييز بين المنتصر والخاذل:
الخذلان الحقيقي ليس عجز المستضعف، بل تقاعس القادر. فالخاذل الحقيقي هو:
- من يملك القوة المستطاعة ولا يقاتل
- من يملك القدرة على التأثير الفعلي ولا يفعل
- من يملك المال الوفير ولا ينفق
- من يملك المنصب السياسي ولا يستغله لخدمة القضية
- من يملك المنبر الإعلامي ولا يستخدمه
أما المؤمن العادي الذي يبكي لأجل غزة، ويدعو في سجوده، ويتصدق من راتبه المحدود، ويشارك المحتوى التوعوي - فهذا منتصر بمقياس الشرع، حتى لو كان تأثيره محدودًا.
3. عدم الاستعجال وثقة القلب بالنصر:
كثيرون اليوم ييأسون من تأخر النصر، وينسون أن الله قدّر الأمور بأسبابها وأزمانها. من الظلم أن نطالب كل مسلم بأن يكون صلاح الدين الأيوبي، أو أن نحمّل الناس العاديين ذنب عجز وتخاذل الحكومات والدول. هذا كان سيعني أن نلوم النبي ﷺ لأنه لم ينقذ بلالًا من التعذيب فورًا! حاشا وكلا.
"من ثمار اليقين بالله أن تؤمن بأن النصر آتٍ، حتى لو طال الزمان".
4. الفرق بين التوكل والتواكل:
التوكل هو الأخذ بالأسباب مع الاعتماد على الله، أما التواكل فهو ترك العمل بحجة الانتظار. فلا يجوز لنا أن نقف مكتوفي الأيدي بحجة أن النصر بيد الله، بل نعمل بما نستطيع، ونثق بأن الله سيتمم النصر.
الرسالة الحقيقية هي:
اعمل بما تستطيع، ولا تيأس من محدودية قدرتك. فالنبي ﷺ بشّر بأن الأمر سيتم، وأن الدين سينتشر، حتى وهو في أضعف أحواله المادية. وهكذا نحن اليوم: ننصر بما نستطيع، ونوقن أن النصر آتٍ، ولو بعد حين.
الخاتمة: الصبر طريق النصر
إن تاريخ الإسلام علمنا أن أعظم الانتصارات تأتي بعد أقسى الابتلاءات. واليوم، أمامنا خياران: إما أن نستعجل فننهار، أو نصبر ونثبت كما فعل آل ياسر وخباب، ونعمل بما نستطيع، ونترك الباقي لله.
"وكان حقًا علينا نصر المؤمنين" - هذا وعد الله، وهو لا يتخلف. لكن الله يختبرنا: هل سنصبر؟ هل سننصر بما نستطيع؟ هل سنثبت على المبدأ حتى لو طال الطريق؟
"فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون" (الروم: 60).
فليكن شعارنا في زمن الاستضعاف:
نصرةٌ بما نستطيع، وصبرٌ حتى يأتي النصر، ويقينٌ أن الله متمم نوره ولو كره الكافرون. وليعذر بعضنا بعضًا، وليعمل كل منا بما يقدر عليه، وليترك الباقي لله.
اكتب مراجعة عامة