أ.د عصام اشويدر
رئيس شبكة الرواد الإلكترونية
ورئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان
قال الله تعالى:
﴿ لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ ۚ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ ﴾ [الحشر: 14]
✓ تفسير العلماء للآية :
• تفسير ابن كثير:
قال ابن كثير في تفسيره: "ثم قال (لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر) يعني: أنهم من جبنهم وهلعهم لا يقدرون على مواجهة جيش الإسلام بالمبارزة والمقابلة بل إما في حصون أو من وراء جدر محاصرين، فيقاتلون للدفع عنهم ضرورة."
ثم قال: "(بأسهم بينهم شديد) أي: عداوتهم فيما بينهم شديدة، كما قال: (ويذيق بعضكم بأس بعض) [الأنعام: 65]؛ ولهذا قال: (تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى) أي: تراهم مجتمعين فتحسبهم مؤتلفين، وهم مختلفون غاية الاختلاف."
• التفسير في المصادر الأخرى:
تفسير الطبري يشير إلى أن "القرى المحصنة" هي الحصون المنيعة، و"من وراء جُدُر" يعني الاختباء خلف الأسوار للحماية من المواجهة المباشرة.
تفسير القرطبي يؤكد على معنى التفرق والاختلاف في "قلوبهم شتى" رغم الظهور بمظهر الوحدة، مما يكشف عن التناقض الجوهري في طبيعتهم.
إبراهيم النخعي قال: "يعني: أهل الكتاب والمنافقين (ذلك بأنهم قوم لا يعقلون)" - مما يشير إلى أن هذه الخصائص تشمل أيضاً من تحالف معهم.
✓ التحليل السياسي الشرعي المعاصر
(1) القرى المحصنة: أدوات التحصين الحديثة
• التحصين العسكري والتقني:
- القبة الحديدية: تمثل صورة حديثة من التحصين العسكري والتقني، فهي جدار دفاعي يمنحهم القدرة على الاحتماء من الضربات دون المواجهة المباشرة
- الآليات والدبابات المحصنة: حصون متحركة تغني عن المواجهة المباشرة التقليدية في الميدان
- الأنظمة الدفاعية المتقدمة: من رادارات وأقمار صناعية ومنظومات إنذار مبكر
• التحصين الاستخباراتي والإلكتروني:
- العمل الاستخباراتي: جدارات غير مرئية تبنى باختراق الأنظمة والمؤسسات في المنطقة
- الحرب الإلكترونية: التحكم في مفاصل المحيط الإقليمي عبر التسلل الإلكتروني والسيبراني
- شبكات التجسس والمعلومات: التي تشكل حصوناً استخبارية تحميهم من المفاجآت
• التحصين السياسي والدولي:
- الحماية الدولية: الدعم الأمريكي والغربي كحصن سياسي منيع
- المؤسسات الدولية: التي تحمي الكيان من المساءلة والمحاسبة
- الاتفاقيات الدولية: التي تضمن الحماية القانونية والسياسية
(2) "من وراء جدر": جدران التحالفات والأنظمة
• دول الطوق الرسمية
- مصر والأردن: شكلت سياجاً سياسياً وأمنياً يقي الاحتلال الصهيوني من المواجهة الشعبية والعسكرية، بحكم الاتفاقيات والتحالفات المعلنة وغير المعلنة
- الأنظمة العربية الأخرى: التي تلعب دور الجدار الخفي في منع وصول المقاومة أو الدعم للمقاومة
• الجماعات والكيانات الموالية:
- الأقليات المتحالفة: مثل الدروز في سوريا ولبنان وغيرهم من الموالين الذين ينسجون دور الجدار الخفي
- الميليشيات الطائفية: التي تلعب دور الحاجز بين المقاومة والكيان الصهيوني ومنهم الروافض وان ادعو المقاومة
- جماعات : منهم مرجئة العصر المتمسلفة يهود القبلة فرقة المداخلة بكل أنواعها ومسمياتها
- النخب السياسية والاقتصادية: المرتبطة بالكيان في مختلف البلدان العربية
أدوات العمل "من تحت الطاولة":
- القنوات الخلفية: التي تمرر الدعم أو الحماية غير المباشرة
- التطبيع المقنع: الذي يحدث دون إعلان رسمي
- الشبكات الاقتصادية: التي تربط الكيان بالمنطقة بطرق غير مباشرة
الجدران الإعلامية والثقافية:
- السردية الإعلامية: التي تحمي الكيان من الانتقاد والمحاسبة
- الحرب النفسية: التي تثبط من همة المقاومين
- التطبيع الثقافي: الذي يمهد لقبول الكيان في المنطقة
(3) "بأسهم بينهم شديد... قلوبهم شتى"
• الصراعات الداخلية في الكيان:
- الانقسامات السياسية: المشهد السياسي الإسرائيلي يموج بصراعات حادة بين القوى (أزمة نتانياهو/الشاباك، الصراع بين اليمين واليسار).
- التناقضات الاجتماعية: بين الطوائف والأصول المختلفة (الأشكناز والسفارديم، المتدينين والعلمانيين)
- الخلافات الاستراتيجية: حول كيفية التعامل مع القضايا الإقليمية والأمنية
- أزمة الهوية: الصراع بين الهوية المدنية والدينية، وحساسيات الجيش والمؤسسات
• استعباد الأنظمة المتحالفة:
- الضغط على دول الطوق: استعباد بعض الدوائر العربية لصالح الكيان بضغوط أمنية واقتصادية وسياسية
- مفهوم التطبيع: كـ"صك غفران أمريكي" يرهن بقاء النظام بشرعية الحماية للكيان الصهيوني
- الابتزاز السياسي: استخدام المساعدات والحماية كوسيلة للسيطرة على القرار السياسي
• التفكك الاجتماعي رغم الواجهة:
- الاتحاد الشكلي: بالرغم من الواجهة الموحدة، إلا أن المجتمع الصهيوني مثقل بانقسامات حادة
- ضعف الثقة الداخلية: كما تظهره الأحداث السياسية المتتالية والاحتجاجات الداخلية
- الهجرة العكسية: تزايد معدلات الهجرة من الكيان يكشف عن عدم الاستقرار الداخلي
✓ التحليل الاستراتيجي والرؤية السياسية الشرعية
• القوانين الإلهية المستخلصة من الآية:
∆ قانون عدم المواجهة المباشرة:
- الكيان الصهيوني وفق الرؤية القرآنية لا يمكنه مواجهة أمة الإسلام بشكل صريح وجهاً لوجه
- يعتمد كليًا على الجدران (التحصينات التقنية، السياسية، الاجتماعية، وتحالفات الطوق)
- هذا ليس ضعفاً مؤقتاً بل سنة إلهية في طبيعة هذا الكيان
∆ قانون الاعتماد على الوسطاء:
- إدراكهم العميق أن سقوط هذه الجدران (الخارجية والداخلية) يعني زوال كيانهم
- لذلك يدعمون حلفاءهم في المنطقة بكل الطرق المتاحة
- يعتبرون الصدام المباشر مع هؤلاء الحلفاء خطاً أحمر يهدد أمن وبقاء كيانهم
∆ قانون التناقض الداخلي:
- القوة الظاهرية تخفي ضعفاً جوهرياً في البنية الداخلية
- الوحدة الشكلية تقابلها تناقضات عميقة في الأهداف والمصالح
- هذا التناقض يزداد حدة مع الضغوط الخارجية
• نقاط الضعف الهيكلية:
∆ الاعتماد على الحماية الخارجية:
- عدم القدرة على الاستقلال الحقيقي عن الدعم الأمريكي والغربي
- رهن البقاء بتوازنات دولية قابلة للتغيير
- ضعف الأسس الذاتية للقوة والبقاء
∆ الحاجة المستمرة للجدران:
- سواء كانت مادية (الجدران الفاصلة) أو معنوية (الدعم الإعلامي)
- عدم القدرة على العيش بأمان دون هذه الحواجز
- هشاشة هذه الجدران أمام الضغوط المتزايدة
∆ التفكك الاجتماعي الداخلي:
- رغم الدعاية الإعلامية عن الوحدة والقوة
- تزايد الانقسامات مع تصاعد الضغوط الخارجية
- عدم وجود هوية جامعة حقيقية تتجاوز المصالح المؤقتة
• الاستراتيجية الشاملة للكيان:
∆ استراتيجية التحصين الدائم:
- حصار الذات ببوابات فولاذية وبأذرع أمنية وسياسية تمتد خارج الحدود
- الهروب من أي مواجهة مباشرة مفتوحة مع الأمة
- الاعتماد على الحرب النفسية والإعلامية بدلاً من المواجهة الميدانية وإن حدثت، تكون محدودة مع الدعم الخراجي ومن وراء جدر
∆ استراتيجية السيطرة على المحيط:
- العمل على إضعاف الدول المجاورة وتفكيكها
- زرع الفتن والصراعات الطائفية والمذهبية
- السيطرة على مراكز صنع القرار في المنطقة
∆ استراتيجية الاحتواء والتطبيع:
- تحويل الأعداء إلى حلفاء عبر الضغوط والإغراءات
- خلق مصالح مشتركة مع النخب الحاكمة
- تقديم الحماية الأمنية مقابل الحماية السياسية
✓ الدروس والعبر المستفادة
• للمقاومة والأمة:
∆ فهم طبيعة العدو:
- الكيان لا يملك قوة ذاتية حقيقية للمواجهة المباشرة
- قوته تكمن في الجدران والوسطاء والتحصينات
- إضعاف وتقويض هذه الجدران أولى من مواجهة الكيان مباشرة وهذا لا يعني عدم المواجهة الدفاعية في بعض الحالات
∆ استراتيجية التعامل:
- العمل على إسقاط الجدران الواقية (السياسية والاجتماعية)
- فضح التناقضات الداخلية وتعميق الانقسامات
- تجفيف منابع الدعم الخارجي
∆ الصبر الاستراتيجي:
- فهم أن زوال الكيان مسألة وقت وليس مسألة قوة فقط
- الاستمرار في المقاومة يؤدي إلى تآكل الجدران تدريجياً
- عدم الاستعجال في المواجهة الشاملة قبل سقوط الجدران
• للأنظمة والدول:
∆ خطر كونها جداراً:
- الأنظمة التي تلعب دور الجدار الواقي تفقد شرعيتها أمام شعوبها
- هذا الدور يجعلها عرضة للسقوط مع أول أزمة حقيقية
- الحماية الأمريكية مؤقتة ولا تضمن البقاء
∆ الحاجة للمراجعة:
- إعادة النظر في السياسات المتبعة تجاه الكيان
- البحث عن شرعية حقيقية من الشعوب وليس من الخارج
- التحضير لمرحلة ما بعد سقوط الجدران
✓ خلاصة شرعية واقعية
• الحكمة الإلهية في الآية:
- الآية رسمت مشهداً دقيقاً ينطبق على وضع الكيان الصهيوني الراهن
- القوة في التكتل الظاهري ليست إلا قشرة تغطي هشاشة بنيان داخلي مفكك
- الجدران التي يظنها حصينة هي في الحقيقة رهينة توازنات هشة متى اختلّت زال الكيان معها
• الرؤية المستقبلية:
- إدراك هذا التحليل ضروري لتكوين رؤية سياسية شرعية واقعية
- فهم نقاط القوة والضعف أساسي لتدبير الصراع مع الكيان الصهيوني ومنظومته
- الثقة في النصر الإلهي مبنية على فهم سنن الله في التاريخ والصراع
• المسؤولية الشرعية:
- على الأمة أن تفهم طبيعة عدوها وفق الرؤية القرآنية
- العمل على إسقاط الجدران بكل الوسائل المشروعة
- الإعداد لمرحلة ما بعد سقوط الكيان وبناء البديل الحضاري
وصدق الله العظيم: "ذلك بأنهم قوم لا يعقلون" - فعدم العقل هنا يشير إلى عدم فهم حقيقة الصراع الحضاري والاعتماد على القوة المادية المؤقتة بدلاً من البناء الحضاري المستدام الذي يقوم على العدل والحق.
اكتب مراجعة عامة