أ.د. عصام اشويدر
رئيس شبكة الرواد الإلكترونية
ورئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.
أخي المؤمن، أختي المؤمنة
اسمعوا إلى هذا التوجيه الرباني العظيم، واجعلوه نبراساً لكم في حياتكم. يقول الله تبارك وتعالى واصفاً الأبرار الصادقين: "إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا"
هذه كلمات تخترق القلوب، وتصل إلى أعماق النفوس. إنها تعلّمنا معنى الإخلاص الحقيقي، ومعنى العبادة الصادقة.
يا من تريد الأجر من الله،
اعلم أنك إذا عملت خيراً، وأحسنت إلى الناس، وبذلت من وقتك ومالك وجهدك، فإن الله سبحانه وتعالى يراك ويعلم نيتك. لا تنتظر من الناس شكراً، ولا تتطلع إلى ثنائهم وحمدهم، فإن ذلك يفسد عليك إخلاصك، ويقلل من أجرك.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "الإخلاص أن تعبد الله كأنك تراه، وأن لا تطلب بعبادتك عوضاً من الناس ولا جزاءً ولا شكوراً، بل تريد وجه الله والدار الآخرة".
وقال أيضاً: "متى طلب العبد الجزاء والشكر من المخلوقين بطل عمله، وحبط سعيه، فإن العمل إنما يراد به وجه الله والدار الآخرة".
وقال الحسن البصري رحمه الله: "كان أحدهم قد جمع القرآن وما يشعر به الناس، وكان أحدهم قد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس". هؤلاء هم الصادقون الذين يعملون في الخفاء، فيجازيهم الله في العلن.
وقال سفيان الثوري رحمه الله: "ما عالجت شيئاً أشد علي من نيتي، إنها تتقلب علي". وهذا يدل على أن السلف كانوا يجاهدون أنفسهم في تصحيح النية وعدم انتظار شيء من الناس.
وإن شكرك الناس على معروفك، فلا تفرح فرحاً يطغيك، بل احمد الله الذي وفّقك لهذا الخير، واشكره أن جعل الناس يدعون لك. فالشكر نعمة من الله، وهو خلق كريم، وقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله".
أما إن لم يشكرك الناس، أو نسوا معروفك، أو تنّكروا لجميلك، فلا تحزن ولا تتألم. اعلم أن أجرك محفوظ عند الله، وأن الله لا ينسى عملك، ولا يضيع أجرك.
يقول سبحانه: "وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا"
رسالة إلى قلبك
يا صاحب القلب الطيب، يا من تحب الخير وتسعى إليه، اجعل نيتك خالصة لوجه الله. لا تعمل الخير لتسمع كلمة شكر، ولا لتنال مدحاً أو ثناءً. اعمل لأن الله يحب هذا العمل، واعمل لأن الله أمرك بالإحسان.
قال الفضيل بن عياض: "ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما".
وقال الإمام أحمد رحمه الله: "أريد أن لا أتكلم في مجلس إلا بكلام أنتفع به، ولا أريد أن يحمدني أحد". وهذا من كمال ورعه وحرصه على الإخلاص.
وقال يحيى بن معاذ الرازي: "الإخلاص أن تستوي عندك المدحة والذمة من الخلق".
وقال بعض السلف: "اللهم أعزني بطاعتك ولا تذلني بمعصيتك، وأغنني بفضلك ولا تفقرني إلى خلقك". فهم لا يريدون من الناس شيئاً، بل يريدون كل شيء من الله.
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: "العبد إذا طلب بعمله عرض الدنيا، لم يكن له في الآخرة نصيب، كما قال تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ}".
وقال الإمام الغزالي: "من أحسن إلى الناس وانتظر منهم الجزاء، فقد أفسد إحسانه، ومن أحسن ولم ينتظر شيئاً إلا من الله، فقد أكمل إحسانه".
وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: "أفضل الأعمال ما أكرهت عليه النفوس". ومعنى هذا أن النفس تحب الشكر والثناء، فمجاهدتها في ذلك من أعظم الأعمال.
وقال الإمام الشافعي: "وددت أن الناس تعلموا هذا العلم ولا ينسب إلي منه شيء". هكذا كان السلف، يريدون نشر الخير دون أن ينسب إليهم.
وبعد هذه الدرر من كلام أهل العلم والإيمان، إليك التوجيهات العملية:
- تذكر دائماً أن التوفيق من الله: ما وُفِّقت للخير إلا بتوفيق الله لك
- اشكر الله على كل خير تفعله: فهو الذي أعانك وسددك
- لا تنتظر من الناس شيئاً: اعمل واتركهم يفعلون ما شاؤوا
- ادع الله أن يتقبل منك: وأن يجعل عملك خالصاً لوجهه الكريم
- اقتد بالسلف الصالح: الذين كانوا يعملون الخير في الخفاء ولا يحبون الشهرة
خاتمة ودعاء
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، واجعل أعمالنا خالصة لوجهك الكريم، ولا تجعل للرياء إلى قلوبنا سبيلاً. اللهم تقبل منا صالح الأعمال، واغفر لنا الذنوب والزلل.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
تذكر دائماً: عملك لله لا للناس، وأجرك عند الله لا عند الناس، ومقصدك رضا الله لا رضا الناس.
اكتب مراجعة عامة