img
img

الابتلاء: في ظلام القيود.. نور اليقين

img
الشبكة

الابتلاء: في ظلام القيود.. نور اليقين

 أ.د. عصام اشويدر 

رئيس شبكة الرواد الإلكترونية 

ورئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان 


بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين 


المقدمة: جلسات الوجع.. حين يسقط السؤال كالصاعقة  

في غرفة العلاج، حيث يُفضي المريض بأسرار جراحه، ويُصارحك بشرايين ألمه، كان السؤال نفسه يتكرر كصدى مؤلم: "لماذا أنا؟! كثيرون يعيشون بلا هذا العذاب.. فلماذا اختُصِصتُ به وحدي؟ وأعطيه جوابه "  


في تلك الجلسات، حيث تمتزج المعاناة النفسية بالصراع الروحاني، أحاول تفكيك شفرة الألم، بينما كان القلب يصرخ بحثاً عن معنى. ثم جاءت لحظة الابتلاء الأقسى.. لحظة تذكر التكبيل والتعذيب والتنكيل.  


يدان تُوثَقان خلف الظهر، وعينان تُغمَضان بقوة، جثوتُ على ركبتيَّ، وجهي مقابل الحائط، وأصواتٌ تهمس حولي: "أنت مسخوطٌ عليك، أنتم مساخيط بوش (بوش الإبن رئيس أمريكا سابقا) ، لا أحد يعلم ما يُفعل بكم!"  


وحقيقة كنا لا ندري ما سيفعل بنا بعد ذلك التنكيل..

في ذلك الظلام الحالك، حيث انقطعت كل الحيل، وتوقفت كل الحركات، لم يبقَ إلا قلبٌ ينبض بالتسليم، وروحٌ تواجه المجهول بلسان واحد: "اللهمّ لك الحمد.. أنت تفعل بي ما تشاء، ولك الحُكم فيّ ما أحببت والأمر أمرك والروح روحك".

" فالنفس بين يديّ مالكها، إن شاء رفعها إلى أعلى المراتب، أو ابتلاها ليُعلي درجتها."


وفي خضمّ ذلك الترعيب والترهيب، حدثت الكرامة.. سكينةٌ لا يعرفها إلا من ذاقها، طمأنينةٌ لا تأتي إلا من اليقين بأن الله لن يخذل عبداً سلّم له وجهه.  


✓ الابتلاء: اصطفاءٌ لا عقاب  

لم يكن هذا المشهد سوى فصلٍ من فصول  الابتلاء وشئ بسيط ممّا اختُبر به الأنبياء والصالحون. فما أكثرَ المواقف التي ظهرت فيها القيودُ الجسديةُ رمزاً للامتحان الإلهي:  

- يوسف عليه السلام حين أُلقي في الجبّ، ثم سُجن بظلمٍ، ليكون بعد ذلك عزيز مصر.  

- موسى عليه السلام حين وُضع في التابوت رضيعاً، ليكون بعد ذلك كليم الله.  

- رسول الله ﷺ حين حوصر في شِعب أبي طالب ثلاث سنوات، ليكون بعد ذلك مُعلّماً للبشرية.  

كلّ هؤلاء عانوا القيودَ قبل أن يذوقوا الحرية، واختبروا الظلمةَ قبل أن يُشرق عليهم نور النصر، فهم القدوة والأسوة.  


✓التسليم: حين يصبح الضعف قوة  

في لحظة التكبيل تلك، لم يكن أمامي إلا خيارٌ واحد: التفويض المطلق لله. ليس لأنّي استسلمت، بل لأنّي أيقنتُ أن اليد التي قيّدتني هي نفسها التي ستُطلق سراحي، والعين التي أغمضت عليّ هي التي ستُعيد إليّ بصري.. وإن كان القتل فذلك إصطفاء وشهادة..

قال تعالى: "وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ" (الطلاق: 3).  

فما أجمَل أن يكون الله هو "حسبك" عندما لا يكون لك حسبٌ من الخلق!  

إنّ هذا التسليم ليس استسلاماً للضعف، بل هو قوةٌ تُحرّر القلب من سجن "اللماذا؟" إلى فضاء "حسبي الله ونعم الوكيل".

فالله لا يختبرك إلا لأنّه يعلم أن فيك قوةً تحمل هذا الابتلاء، وأنّك أهلٌ لأن تكون من عِباده المقرّبين.  


✓ الفرج: لأنّ العاقبة للمتقين  

وبعد كلّ ذلك الظلام.. جاء النور. بعد القيود.. وتعلمنا ما لم يكن في الحسبان ..جاءت الحرية... جاء الفرج. لأنّ الله لا يُغلق باباً إلا ليفتح أبواباً لا تُعدّ، ولا يأخذ شيئاً إلا ليعطي ما هو خيرٌ منه.  

وها أنا اليوم، أروي هذه القصة لأقول لكلّ مبتلى:  

"لا تيأس، فما وقع لك لم يكن ليُهينك، بل ليُعليك. وما حلّ بك لم يكن لينسفك، بل ليرفعك. فاصبر، فإنّ الله مع الصابرين."  


✓ وأعود وأقول الابتلاء: سنّة الأنبياء ومدرسة الصالحين

إذا تأملت سير الأنبياء، وجدت أنهم عاشوا أقسى الابتلاءات، لكنهم خرجوا منها كالذهب الإبريز، لا يُرى فيه إلا نور اليقين. نبي الله أيوب عليه السلام، الذي مسّ جسده الألم ومال به الناس حتى قال:  

"وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ" (الأنبياء: 83).  

ومع ذلك، لم يكن سؤاله شكوىً من القضاء، بل دعوةً إلى الرحمة، فاستجاب الله له وأبدله صبراً ثم فرجاً.  

ويعقوب عليه السلام، الذي فارق أحبّ الناس إلى قلبه، فابيضّت عيناه من الحزن، لكنه لم يفقد ثقته بربه، وقال كلمة التسليم الخالدة:  

"فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ" (يوسف: 18).  

فكان الفرج بعد الكرب، والعِوض بعد الفقد.


✓ النصر مع الصبر  

قد يطول الليل، لكنّه لا يُلغِي شروق الشمس. وقد يشتدّ البلاء، لكنّه لا يُبطل موعد الفرج. يقول تعالى:  

"فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا  إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا" (الشرح: 5-6).  

تأمل تكرار الآية! فليس بعد عسرٍ إلّا اليسر، وليس بعد الضيقٍ إلا الفرج. 


الخاتمة: من ظلام القيد إلى نور اليقين  

إنّ الابتلاء مهما اشتدّ، فهو رحلةٌ مؤقتة إلى الله. فكما أنّ الليل لا يدوم، وكما أنّ العاصفة لا تُبقي السحاب للأبد، فإنّ ألمك سينتهي، وفرحك سيأتي، وصبرك سيجعلك من الذين قال فيهم الله سبحانه وتعالى: "إنّما يُوفّى الصابرون أجرهم بغير حساب" (الزمر: 10).  

لعلّ هذه الكلمات تصل إلى قلبٍ مثخنٍ بالألم، وعينٍ أنهكها البكاء، وروحٍ أنهكها السؤال: "لماذا أنا؟!" فأقول لك: لأنّك ممّن اختارهم الله ليكونوا أقرب إليه، لأنّك من الذين سيدوّن التاريخ صبرهم، لأنّك ستكون -بإذن الله- من الذين قال فيهم الرسول ﷺ:  

"إنّ العبد إذا سبقت له من الله منزلة لم يبلغها بعمله، ابتلاه في جسده أو في ماله أو في ولده، ثم صبّره على ذلك حتى يبلّغه المنزلة التي سبقت له من الله." (رواه أبو داود).  

فاثبت.. فإنّك أقوى مما تظنّ، وأقرب إلى الله مما تعتقد، وأجلّ في عينيه مما تتخيل.

والعاقبة؟ ستكون للمتقين، ولن تكون إلا لك إن صبرت.

تعليقات

الكلمات الدلالية