د. عبد السلام زكريا
دكتوراه إدارة أعمال رئيس قسم إدارة الأعمال في جامعة باشاك شهير
(وَنَزَّلۡنَا عَلَیۡكَ ٱلۡكِتَـٰبَ تِبۡیَـٰنࣰا لِّكُلِّ
شَیۡءࣲ وَهُدࣰى وَرَحۡمَةࣰ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِینَ)
تعتبر مهارات
التفاوض من أعقد الفنون وأكثرها تأثيراً في عالم القيادة والسياسة، فهي الجسر الذي
تعبر من خلاله الأزمات من بوابة التهديد إلى ضفاف السلم، ومن منطق التخبط إلى
ميدان العقل والحكمة، وتعتبر قصة ملكة سبأ بلقيس مع نبي الله سليمان عليه السلام
التي وردت في سورة النمل من أبلغ النماذج القرآنية التي تجسد هذا الفن الرفيع، فلم
تكن هذه القصة مجرد رواية تاريخية بل كانت مشهداً عظيماً لمستوى متقدم من مهارات
التفاوض السياسي، وسنحاول في هذه المقالة المختصرة تحليل هذه القصة من خلال عدسة
أدبيات علم "مهارات التفاوض"، وربطها بمقولات معاصرة لرواد علم التفاوض
والإدارة، فالقصة مرت بالمراحل التفاوضية التالية:
أولاً:
جمع المعلومات والتحقق منها
(وَتَفَقَّدَ ٱلطَّیۡرَ فَقَالَ مَا لِیَ لَاۤ أَرَى
ٱلۡهُدۡهُدَ أَمۡ كَانَ مِنَ ٱلۡغَاۤىِٕبِینَ)
(إِنِّی وَجَدتُّ ٱمۡرَأَةࣰ تَمۡلِكُهُمۡ وَأُوتِیَتۡ مِن كُلِّ
شَیۡءࣲ وَلَهَا عَرۡشٌ عَظِیمࣱ)
كانت بداية
التفاوض الفعلية عن طريق جمع المعلومات، فلم يتسرع النبي سليمان عليه السلام
بإصدار أحكام أو قرارات، بل بدأ بتفقد موارده (الهدهد)، ثم استمع للتقرير
الاستخباراتي المفصل حول ملكة سبأ، وهذه الخطوة تتناغم مع قاعدة التفاوض الأساسية
التي يؤكدها روجر فيشر (Roger
Fisher)
في كتابه الشهير (Getting to Yes:
Negotiating Agreement Without Giving In) "قبل أن تتفاوض اجمع كل المعلومات الممكنة عن الطرف الآخر،
فالمعرفة هي القوة الحقيقية على طاولة الحوار" ومع قاعدة أن "المفاوض
الجيد يعرف ما يريده الطرف الآخر قبل أن يعرف هو نفسه".
ثانياً:
الرسالة التفاوضية
الرسالة التي
أرسلها سليمان إلى بلقيس وقومها لم تكن عبارة عن تهديد فقط بل كانت مختصرة وحازمة
ومبنية على مبدأ واضح التسليم لله لا لسليمان قال تعالى (أَلَّا
تَعۡلُوا۟ عَلَیَّ وَأۡتُونِی مُسۡلِمِینَ) ٣١
ويعبر هذا النوع
من الخطاب عن مهارة "الوضوح والاتزان في العرض التفاوضي"، وهي مهارة
أساسية في مدارس التفاوض الحديثة، فيشير وليام يوري (William Ury) إلى أن "أفضل العروض التفاوضية هي تلك التي لا تغلق الباب،
بل تفتح نافذة للحل."
فسليمان عليه
السلام قال "ألا تعلوا عليّ"، ولكنه لم يرفض الحوار بل طلب بكلمات واضحة
قدومهم والانخراط في العلاقة الجديدة تحت مظلة الإسلام، وهذا ينسجم مع مقولة هارفي
ماكاي مؤلف كتاب (swim with the
Sharks Without Being Eaten Alive) "الكلمات الواضحة في التفاوض، أقوى من المدافع"،
وأيضاً ينسجم طلب سيدنا سليمان مع ما طوره كريستوفر فوس لمفهوم "السيطرة
التكتيكية" عبر: *وضوح الرسالة
*الحزم غير العدواني
ثالثاً:
الاستجابة الذكية
(قَالَتۡ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلۡمَلَؤُا۟ أَفۡتُونِی فِیۤ أَمۡرِی
مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمۡرًا حَتَّىٰ تَشۡهَدُونِ)
(وَإِنِّی مُرۡسِلَةٌ إِلَیۡهِم بِهَدِیَّةࣲ فَنَاظِرَةُۢ بِمَ
یَرۡجِعُ ٱلۡمُرۡسَلُونَ)
هنا تظهر حكمة
بلقيس أيضاً وبراعتها التفاوضية ورجاحة عقلها، فلم ترسل التهديد والوعيد والجيوش
مباشرة وفي نفس الوقت لم تذعن لطلب سيدنا سليمان، بل اختارت اختبار صدق ونوايا
الطرف الاخر عبر أداة دبلوماسية "الهدية"، وهذه الخطوة تكشف عن إدراكها
لأهمية اختبار نوايا الطرف الآخر، وهو مبدأ معروف في علم التفاوض "اختبر قبل
أن تندفع"
وقد علق الإمام
الطبري على تصرف بلقيس بقوله: "أرادت أن ترى إن كان ملكاً يسعى للمال أم
نبياً صادقاً لا تغره الهدايا."
وطبقت بلقيس
بإرسالها الهدية مبدأ ستيفن كوفي مؤلف كتاب (The 7 Habits of Highly Effective People) "افهم أولاً كي
تُفهم".
رابعاً:
رد سليمان عليه السلام – حسم موقف التفاوض ورفض المساومة
(فَلَمَّا جَاۤءَ سُلَیۡمَـٰنَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالࣲ
فَمَاۤ ءَاتَىٰنِۦَ ٱللَّهُ خَیۡرࣱ مِّمَّاۤ ءَاتَىٰكُمۚ بَلۡ أَنتُم
بِهَدِیَّتِكُمۡ تَفۡرَحُونَ)
وهنا تتجلى برفض
سليمان عليه السلام الهدية مهارة الحسم في الموقف التفاوضي والقدرة على رفض
محاولات التلاعب فلم ينفعل بل رد بحزم: "فما آتاني الله خير"، مذكراً
بأن القيم والمبادئ لا تشترى بالهدايا.
وجاء رد نبي
الله سليمان على هدية بلقيس مؤكداً لما قاله ( تشيستر كالاس) في التفاوض
"الرفض يمكن أن يكون أقوى أداة تفاوضية عندما يكون مدعوماً بقيم راسخة".
وهذا الرد من
نبي الله سليمان توافق أيضاً مع ما أشار إليه خبير التفاوض تشستر كارسون:
"الطرف
الذي يعرف حدوده القيمية، هو الطرف الأقوى دائما في التفاوض، لأنه لا يخشى خسارة
الصفقة."
خامساً:
عرض القوة بشكل ذكي وغير دموي
(قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي
بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ) (38)
كان نقل عرش
بلقيس إلى مجلس سليمان قبل حضورها استعراضاً مذهلاً للقوة، لكنه لم يستخدم القوة
للإذلال بل لإقناع بلقيس بقدرة الله التي لا يمكن مقاومتها.
وهذا يتماشى مع
ما يسمى في التفاوض الحديث بـ "استراتيجية التأثير دون عدوان"، حيث تعرض
القوة لإظهار الجدية وليس للتهديد الصريح، فهي مهارة بناء الهيبة دون كسر
الكبرياء.
وجسد نقل العرش
(إبهار تقني) والقصر الزجاجي (صدمة إدراكية) المعنى الحقيقي لمقولة روبرت غرين
مؤلف كتاب (The 48 Laws of
Power)
"أظهر قوتك دون الحاجة لاستخدامها".
وأيضاً يتفق جيم
كامب (خبير التفاوض) بمقولته "أفضل مفاوض هو من يحقق أهدافه دون إهانة
الخصم" مع ما فعله سيدنا سليمان عليه السلام.
سادساً:
التفاوض عبر الرموز والاختبارات الذكية
(فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ
هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ )
(٤٢)
(قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ
لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ)
(٤٤)
وهنا استخدم نبي
الله سليمان عليه السلام اختبارات ذكية وغير مباشرة لذكاء بلقيس وفطنتها، فلم
يجبرها على إعلان موقفها بل ترك لها حرية الاكتشاف والمبادرة، ويتوافق أحد المبادئ
العميقة في التفاوض مع فعل سيدنا سلمان "دع الطرف الآخر يكتشف الحقيقة بنفسه؛
فهو أكثر استعدادا لقبولها حين يراها بعينيه".
وأخيراً:
الوصول إلى اتفاق إقناع دون إذلال
قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ
سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (٤٤)
وهذا أسمى درجات
النجاح التفاوضي عندما يتحول الخصم إلى حليف والموقف العدائي إلى تفاهم.
خاتمة:
مفاتيح التفاوض من القرآن
نستخلص من خلال
قصة نبي الله سليمان عليه السلام مع بلقيس عدة مهارات تفاوضية يمكن إجمالها
بالآتي:
1. ابدأ بجمع المعلومات وتفهم الطرف الآخر.
2. اجعل رسالتك واضحة ومبنية على قيم عليا.
3. اختبر نوايا الخصم دون تصعيد.
4. ارفض المساومة على المبادئ.
5. اعرض القوة دون تهديد مباشر.
6. اعتمد على الذكاء الرمزي والاختبار
النفسي.
7. اجعل الهدف هو الإقناع لا الإخضاع.
"إن في ذلك لآية لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيد."
اكتب مراجعة عامة