أ.د عصام اشويدر
دكتوراه في العلوم السياسية
ماستر في إدارة المخاطر
رئيس شبكة الرواد الإلكترونية
رئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان
"إن هذا المقال ملخص يستند إلى النصوص الشرعية والمصادر الموثقة، ويهدف إلى تقديم رؤية علمية موضوعية للفروق بين المنهجين السياسيين، مع إبراز الخصائص المميزة للسياسة الشرعية الإسلامية وهو من مبحث دكتوراه في العلوم السياسية بعنوان مبادئ العلوم السياسية وتطبيقاتها في الإسلام ."
مقدمة
تُعَدُّ السياسة من أهم مجالات النشاط الإنساني التي تنظم حياة المجتمعات وتحدد مسار الأمم وتطورها. وقد تطورت النظريات السياسية عبر التاريخ لتشمل اتجاهات مختلفة، منها العلوم السياسية الحديثة التي تعتمد على الفكر الإنساني المجرد، والسياسة الشرعية في الإسلام التي تستند إلى المصادر الإلهية والنبوية. وبين هذين المنهجين فروق جوهرية تستحق الدراسة
والتحليل، خاصة في ضوء التحديات المعاصرة التي تواجه النظم السياسية في العالم.
أولاً: التعريف والمفهوم
- العلوم السياسية الحديثة
تُعرَّف العلوم السياسية الحديثة بأنها مجموعة من النظريات والمناهج التي تدرس الظواهر السياسية والقوة والحكم والسلطة، وتعتمد على المنهج العلمي التجريبي والتحليل الكمي والنوعي لفهم السلوك السياسي ومؤسسات الدولة.
- اسياسة الشرعية في الإسلام
هي علم تدبير شؤون الدولة والمجتمع وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية، وتهدف إلى تحقيق مصالح العباد في الدنيا والآخرة من خلال تطبيق النصوص الشرعية والاجتهادات الفقهية المستندة إلى الكتاب والسنة.
ثانياً: الفروق الجوهرية في المصادر والأسس
1. المصادر المعرفية
-العلوم السياسية الحديثة:
- تعتمد على النظريات والأفكار البشرية المحضة
- تستند إلى التجربة التاريخية والممارسة السياسية
- تركز على النظرة المادية وإشباع الغرائز الإنسانية
- تتأثر بالفلسفات الغربية والأيديولوجيات المختلفة
-السياسة الشرعية:
- تعتمد على القرآن الكريم والسنة النبوية كمصدرين أساسيين
- تستند إلى الإجماع والاجتهادات الفقهية المضبوطة
- تنطلق من الوحي الإلهي المعصوم من الخطأ
- تحقق التوازن بين الروح والمادة
2. الأسس الفلسفية
-العلوم السياسية الحديثة:
- تقوم على النسبية في القيم والمبادئ
- تعتبر الإنسان مصدر التشريع والقانون
- تفصل بين الدين والسياسة
- تركز على المصالح المادية والقوة
-السياسة الشرعية:
- تقوم على الثوابت الإلهية والقيم المطلقة
- تعتبر الله سبحانه وتعالى مصدر التشريع الأول
- تدمج الدين والسياسة في منظومة متكاملة
- تحقق التوازن بين المصالح الدنيوية والأخروية
ثالثاً: الفروق في الأهداف والمقاصد
1. الأهداف الأساسية
-العلوم السياسية الحديثة:
- تهدف إلى تحقيق المصالح السياسية والاقتصادية المادية
- تسعى للسيطرة والهيمنة والنفوذ
- تركز على الكفاءة والفعالية دون اعتبار للقيم الأخلاقية
- قد تؤدي إلى الاستبداد والفساد
-السياسة الشرعية:
- تهدف إلى تحقيق العدل والمصلحة العامة وفقاً لأحكام الشريعة
- تسعى لتحقيق الخير والصلاح للمجتمع
- تجمع بين الكفاءة والقيم الأخلاقية
- تحقق مقاصد الشريعة الخمسة: حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال
2. المقاصد العليا
يقول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ} (النحل: 90). هذه الآية تلخص المقصد الأساسي للسياسة الشرعية، وهو تحقيق العدل والإحسان في جميع جوانب الحياة.
رابعاً: الفروق في المنهج والتطبيق
1. المنهج في صناعة القرار
- العلوم السياسية الحديثة:
- تعتمد على المصالح الحزبية والفئوية
- تخضع لضغوط اللوبيات والقوى المؤثرة
- تتأثر بالأهواء والمصالح الشخصية
- تفتقر إلى معايير ثابتة للحكم على القرارات
- مشاركة السفاء الفاقدين للأهلية في اتخاذ القرار
-السياسة الشرعية:
- تعتمد على مبدأ الشورى كما قال تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} (آل عمران: 159)
- تقوم على التشاور بين أهل الخبرة والاختصاص
- تستند إلى معايير شرعية ثابتة
- تهدف إلى تحقيق المصلحة العامة للأمة
2. نظام الحكم والإدارة
-العلوم السياسية الحديثة:
- تقوم على فصل السلطات بشكل مطلق
- تعتمد على الديمقراطية كآلية وحيدة للحكم
- تخضع للتغيير المستمر حسب الأهواء
- قد تؤدي إلى عدم الاستقرار السياسي
-السياسة الشرعية:
- تقوم على التكامل بين السلطات مع الاستقلالية النسبية
- تعتمد على الشورى والبيعة والنصيحة
- تستند إلى مبادئ ثابتة مع المرونة في التطبيق
- تحقق الاستقرار والعدالة الاجتماعية
خامساً: تفوق السياسة الشرعية في المبادئ والأسس
1. في مجال العدالة الاجتماعية
تتفوق السياسة الشرعية في تحقيق العدالة الشاملة التي تشمل:
- العدالة في توزيع الثروات والموارد
- العدالة في تطبيق القانون دون تمييز
- العدالة في الحقوق والواجبات
- العدالة تطبق على الكل الحاكم والمحكوم والغني والفقير دون اي تمييز
يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} (النساء: 135).
2. في مجال المشاركة السياسية
تحقق السياسة الشرعية مشاركة حقيقية من خلال:
- الشورى الملزمة في القضايا المهمة
- حق الأمة في النصح والتوجيه
- المساءلة والمحاسبة للحكام
قال تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} (الشورى: 38).
3. في مجال الاستقرار السياسي
تحقق السياسة الشرعية استقراراً دائماً من خلال:
- الثوابت الشرعية التي لا تتغير
- المرونة في التطبيق حسب الظروف
- التوازن بين المصالح المختلفة
سادساً: التطبيقات العملية من القرآن الكريم
1. في إدارة الصراعات
يقول الله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} (الحجرات: 9). هذه الآية تقدم منهجاً شاملاً لحل النزاعات يقوم على:
- الوساطة والإصلاح
- العدل في التعامل مع الأطراف
- تحقيق السلام الاجتماعي
2. في العلاقات الدولية
يقول الله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ} (الممتحنة: 8). هذه الآية تؤسس لعلاقات دولية قائمة على:
- التعايش السلمي
- العدل والإحسان
- احترام الآخر
3. في إدارة الموارد الاقتصادية
يقول الله تعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} (النساء: 5). هذه الآية تقدم مبادئ لإدارة الموارد:
- الحكمة في التصرف
- حماية المصالح العامة
- منع الفساد والتبذير
سابعاً: التحديات المعاصرة وآفاق المستقبل
1. التحديات التي تواجه العلوم السياسية الحديثة
- أزمة القيم والمبادئ الأخلاقية
- انتشار الفساد والاستبداد
- عدم المساواة الاجتماعية
- الأزمات الاقتصادية المتكررة
- الصراعات الدولية والإقليمية
2. كيف تقدم السياسة الشرعية الحلول
الحل الأخلاقي:
تقدم السياسة الشرعية منظومة أخلاقية شاملة تحكم السلوك السياسي وتمنع الانحراف.
الحل الاقتصادي:
تحقق العدالة الاقتصادية من خلال النظام الإسلامي الذي يحرم الربا والاحتكار ويشجع التجارة الحلال.
الحل الاجتماعي:
تحقق التماسك الاجتماعي من خلال التأكيد على الأخوة والتعاون والتكافل الاجتماعي.
ثامناً: الأدلة الشرعية على تفوق السياسة الشرعية
- من القرآن الكريم
1. في العدل والحكم:
{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} (النساء: 58)
2. في الشورى:
{وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} (الشورى: 38)
3. في المسؤولية:
{كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} (المدثر: 38)
- من السنة النبوية
1. في الرعاية والمسؤولية:
قال رسول الله ﷺ: "كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته" (متفق عليه)
2. في الحكم والسياسة:
قال رسول الله ﷺ: "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون" (متفق عليه)
3. في المساواة:
قال رسول الله ﷺ: "الناس سواسية كأسنان المشط"
تاسعاً: الخصائص المميزة للسياسة الشرعية
1. الشمولية والتكامل
تتميز السياسة الشرعية بالشمولية في تناولها لجميع جوانب الحياة الإنسانية:
- الجانب الروحي والأخلاقي
- الجانب الاقتصادي والاجتماعي
- الجانب السياسي والإداري
- الجانب القانوني والقضائي
2. الثبات والمرونة
تجمع السياسة الشرعية بين:
- الثبات في الأصول والمبادئ
- المرونة في التطبيق والاجتهاد
- التطوير المستمر في الوسائل والآليات
3. العدالة والرحمة
تحقق السياسة الشرعية التوازن بين:
- العدل في تطبيق القانون
- الرحمة في التعامل مع الضعفاء
- الحكمة في اتخاذ القرارات
عاشراً: النماذج التطبيقية التاريخية
1. عهد الخلفاء الراشدين
يُعتبر عهد الخلفاء الراشدين النموذج الأمثل لتطبيق السياسة الشرعية:
- الشورى في اختيار الخليفة
- العدل في تطبيق الأحكام
- المساواة بين الناس
- الشفافية في إدارة الأموال العامة
- الإنسانية في الحرب والسلم
2. النهضة الإسلامية
شهدت فترات مختلفة من التاريخ الإسلامي تطبيقاً ناجحاً للسياسة الشرعية:
- العصر الأموي والعباسي
- الحضارة الأندلسية
- الدولة العثمانية في بداياتها
- المغرب الأقصى دولة الأدارسة والمرابطين والعلويين ماقبل الإستعمار
الخاتمة
بعد هذا العرض المفصل للفروق الجوهرية بين العلوم السياسية الحديثة والسياسة الشرعية في الإسلام، يتضح لنا تفوق المنهج الإسلامي في تحقيق العدالة والاستقرار والرخاء للمجتمعات الإنسانية. إن السياسة الشرعية لا تقدم مجرد نظريات مجردة، بل تقدم منهجاً شاملاً ومتكاملاً للحياة السياسية يجمع بين الأصالة والمعاصرة، بين الثبات والمرونة، بين العدالة والرحمة.
والله سبحانه وتعالى أعلم، وهو المستعان على تحقيق ما فيه خير الأمة والإنسانية جمعاء.
اكتب مراجعة عامة