التريند
الخادع: كيف تُضلَّل الصورة الذهنية؟
عن
قوة الانطباع وضعف الحقيقة في زمن الصورة
المقدمة:
في
المشهد الرقمي المعاصر، أصبح التريند هو المصفاة الأولى لمعرفة الناس، وهو
"الناقل الرسمي" للوقائع، لا لكونه أصدقها، بل لأنه الأسرع والأكثر
تكرارًا. وبينما تُكافَح العلاقات العامة لبناء
صورة ذهنية متينة تستند إلى الرسائل الواضحة والقيم المستقرة، تجد نفسها محاصرة
بسيلٍ لا ينتهي من الانطباعات السريعة، والميمات الساخرة، والمقاطع المقتطعة من
سياقها.
نحن
إذًا في عصر يمكن فيه أن تُشكَّل الصورة الذهنية ليس بناءً على الأداء الفعلي، بل
على سردية لحظية مشبعة بالعاطفة... وتفتقر للدقة.
أولًا:
ماذا يعني "التريند الخادع"؟
التريند
الخادع ليس مجرد ظاهرة سطحية، بل هو منظومة تقوم على تراكم محتوى يخلق انطباعًا
قويًا، دون أن يعكس الواقع بشكل موضوعي.
قد تكون المعلومة غير دقيقة،
أو غير مكتملة، أو موجهة، ولكنها تحصل على آلاف المشاركات والتفاعلات، ما يجعلها
تبدو – في نظر المتلقي – "حقيقية بما يكفي".
في علم
الإعلام، يُطلق على هذه الظاهرة "الإقناع بالوفرة"،
حيث يصبح الكمّ مؤشرًا على الصدق: كلما كثر تداول المحتوى، صدّقه الناس[1].
ثانيًا:
الانطباع أهم من الحقيقة... للأسف
يعتمد
التريند الخادع على قاعدة ذهنية خطيرة:
الناس
لا تتذكر التفاصيل، بل تحتفظ بالانطباع الذي خلّفته التفاصيل.
لذلك،
فإن صورة فيديو مدته 15 ثانية تُظهر موظفًا يسيء التصرف، قد تُدمّر سمعة مؤسسة بنت
ثقة لعشر سنوات، حتى لو تبيّن لاحقًا أن الفيديو مجتزأ أو مفبرك. لماذا؟
لأن الانطباع الأوّل شكل
الصورة الذهنية، وأي محاولة لتصحيحها لاحقًا تبدو دفاعية ومتأخرة.
وتُظهر
دراسات علم النفس الإعلامي أن تصحيح المعلومات المغلوطة يكون أقل تأثيرًا من
انتشارها الأولي، وهي ظاهرة تُعرف بـ "استمرار الأثر" أو continued influence effect[2].
ثالثًا:
الإعلام الجديد... بيئة خصبة للتضليل العاطفي
وسائل
الإعلام التقليدية كانت تمر عبر بوابات تحريرية ومراجعات، بينما اليوم يُصنع
التريند على يد أفراد مجهولين، ومؤثرين لا يتحملون أي مسؤولية تحريرية.
وفي هذه البيئة، أصبحت
العاطفة هي العملة الأساسية:
كل ذلك
يُنتج ما يمكن تسميته بـ"الرواية البديلة"، حيث لا يُهم إن كانت القصة
صحيحة، بل إن كانت مقنعة وجذابة ومشحونة انفعاليًا.
رابعًا:
التأثير على العلاقات العامة… بين الاستجابة والتشكيك
في ظل
هذه البيئة، تواجه العلاقات العامة تحديًا وجوديًا:
كيف تحمي الصورة الذهنية من
التضليل المتعمد أو العفوي الذي قد تُحدثه موجة تريند عاطفية؟
الردود
الرسمية، وإن كانت دقيقة، غالبًا ما تأتي متأخرة، لأن دورة حياة التريند أقصر
بكثير من دورة الاستجابة المؤسسية.
كما أن تكرار النفي قد
يُستخدم ضد المؤسسة على أنه "دفاع مذعور"، فيزيد من الشكوك حولها.
الحل
إذًا ليس فقط في الرد، بل في التحصين الاستباقي للصورة الذهنية، عبر بناء
مصداقية طويلة الأمد، تُمكّن المؤسسة من النجاة حتى حين تهبّ العاصفة.
خامسًا:
عندما تصبح العلاقات العامة ضحية لنجاحها
المفارقة
أن بعض المؤسسات الناجحة في بناء صورة ذهنية قوية، تجد نفسها أكثر عرضة للهجوم عند
أول زلّة، لأن الجمهور يشعر بخيانة توقعاته.
فكلما كانت الصورة الذهنية
مثالية، كلما كان الخلل الصغير يبدو كفضيحة ضخمة.
مثال:
حين تعرضت شركة "Apple" لانتقادات بشأن ظروف عمل مصانعها في الصين، جاء
الهجوم عنيفًا ليس فقط بسبب الواقعة، بل لأن الصورة الذهنية المسبقة كانت عن شركة
"مثالية أخلاقيًا وابتكارية"، مما جعل المفارقة أكبر[3].
سادسًا:
كيف يمكن تفكيك التريند الخادع؟
لا يمكن
منع التضليل الإعلامي، لكن يمكن مواجهته من خلال:
الخاتمة:
التريندات
لم تعد مجرّد موجات رقمية عابرة، بل أصبحت أدوات تعيد تشكيل الوعي، وتفرض صورًا
ذهنية قد لا تمتّ للواقع بصلة.
في ظل ذلك، تصبح العلاقات
العامة مطالَبة بالتحرك ضمن واقع لا يكفي فيه الصدق، بل يحتاج إلى سرعة، وعاطفة،
وسرد حكيم.
النجاة
من التريند الخادع ليست في إنكاره، بل في فهم منطقه... والعمل على إعادة توازن
الصورة من داخله، لا من خارجه.
المراجع:
اكتب مراجعة عامة