img
img

اللامركزية الخدمية: خيار إصلاحي عقلاني لبناء إدارة عامة فعالة في سورية

img
منصة الإدارة و الاقتصاد الإسلامي

اللامركزية الخدمية: خيار إصلاحي عقلاني لبناء إدارة عامة فعالة في سورية

د. عبد السلام زكريا

دكتوراه إدارة أعمال رئيس قسم إدارة الأعمال في جامعة باشاك شهير


عاشت الإدارة العامة في سورية ولعقود كثيرة عدة أزمات بنيوية كبيرة ومتفاقمة في ظل نظام بيروقراطي شديد التعقيد، ولم يعد من المجدي اليوم التمسك بالنموذج المركزي الجامد الذي أثبت عجزه في مواكبة احتياجات المجتمع وإدارة التنوع الجغرافي والسكاني الواسع، بل يمكن القول إن المركزية المفرطة التي لطالما روج لها بأنها الضمانة الوحيدة لوحدة الدولة والشعور بالمواطنة، قد تحولت في العقود الأخيرة إلى عقبة حقيقية أمام التنمية والعدالة والكفاءة وحسن استغلال الموارد، وخاصة في ظل غياب الأنظمة الرقابية والشفافية والحوكمة والمساءلة.

ولم يعد السؤال الملح اليوم هو: هل نطبق اللامركزية؟  خاصة في ظل التطور التقني الكبير – بل كيف نصمم لامركزية عقلانية تصلح الإدارة العامة دون أن تقوض سلطة الدولة ووحدتها والشعور الوطني؟

ويمكن أن يكون الجواب على هذا التساؤل في نموذج اللامركزية الخدمية، الذي لا يتصادم مع البنية السياسية ولا يهدد وحدة القرار السيادي، بل يوزع المسؤوليات الخدمية بشكل مدروس ويعزز من قدرة الدولة على الاستجابة الفعالة لحاجات المواطنين.

مفهوم اللامركزية الخدمية:

لابد من الإشارة الى أن مصطلح "اللامركزية الخدمية" مصطلح جديد قد أطلقته على النموذج المقترح لعملية الإصلاح الإداري في سورية ولم يستخدم كثيرا في أدبيات الإصلاح الإداري العربي على حد علمي، ولكن جوهر النموذج قد طرح في عدد من السياقات الفكرية:

فقد تناول (Jean-Claude Thoenig) فكرة اللامركزية الوظيفية في كتاباته حول الإدارة المحلية في فرنسا، موضحاً أنها تركز على فعالية الدولة لا على تفكيكها.

واقترح (Vincent Ostrom) مبدأ تعدد مراكز القرار (Polycentric Governance)، والذي يدعو إلى توزيع السلطات التنفيذية على مستويات متعددة وذلك دون المساس بوحدة القرار السيادي.

  وفي دراسة أجراها ((Beatriz Cuadrado Ballesteros وآخرون بعنوان:

اللامركزية الوظيفية في الحكومات المحلية البرتغالية نشرت عام 2016 في مجلة (Public Administration Quarterly) وجد الباحثون أن النجاح في تطبيق اللامركزية الوظيفية لا يرتبط فقط بنقل المهام، بل بتهيئة البنية المؤسسية والتمويل اللازم، كما دعوا إلى التفكير في نماذج تكاملية تجمع بين المركزية الضرورية والمرونة المحلية.

من خلال كل ما سبق نجد أن هذا النموذج تم صياغته بناء على أسس علمية ومرتكزات نظرية سابقة، لكنه تم إعادة تكييفه ليتناسب مع السياق السوري بشكل أكثر دقة واتزاناً، وبما يضمن تحقيق سلامة الدولة وكفاءتها الإدارية في آن واحد وتجاوز كل السلبيات المحتملة لتطبيقه خاصة أن مقترح تطبيق هذا النموذج يغتمد على التطبيق التدريجي في مناطق معينة قبل تعميمه على كافة أنحاء سورية.

ويمكن أن نعرف اللامركزية الخدمية (Functional Decentralization) بأنها " عملية نقل مسؤوليات تنفيذ بعض الوظائف الاجتماعية والثقافية للدولة مثل (الصحة، التعليم، النقل، والنظافة) إلى سلطات محلية منتخبة أو معينة، دون أن يشمل ذلك تقل أي صلاحيات للوظائف السيادية أو الاقتصادية مثل (السياسة الخارجية، الأمن، القضاء، إصدار النقود).

ومن الضروري عدم فهم الدعوة إلى تطبيق اللامركزية الخدمية بأنها دعوة الى توزيع السلطة السياسية، بل هي إعادة تنظيم إجرائي للهياكل التنفيذية للدولة وبما يعزز الكفاءة الإدارية والعدالة الاجتماعية، وكما يشير (Jean-Claude Thoenig)  إلى أن "اللامركزية لا تعني تقليص سلطة الدولة، بل إعادة تنظيمها لتصبح أكثر فاعلية وقرباً من المواطن"، وهذا النموذج لا يعكس فقط تجارب دولية ناجحة في هذا المجال، بل ينسجم مع طبيعة المجتمعات المركبة والتي تتطلب حلولاً مرنة وإدارات قريبة من الواقع المحلي.

تطبيق النموذج في الحالة السورية:

 تتطلب الحالة السورية نموذجاً مصمماً بعناية يأخذ بعين الاعتبار ما يلي:

-الحالة التنموية غير المتوازنة بين المحافظات.

-الخصائص الثقافية والاجتماعية المتنوعة.

-حاجة الدولة إلى إعادة بناء الثقة مع المواطنين في مرحلة ما بعد الحرب.

ويقترح النموذج أن تبقى السياسات السيادية الأساسية – كالدفاع، والأمن، والعلاقات الخارجية، والمالية العامة – تحت سيطرة الدولة المركزية بالكامل، بينما يتم نقل بعض الوظائف الخدمية (التعليم، الصحة، النقل، النظافة، الأشغال، التخطيط المحلي...) إلى مجالس محلية منتخبة تشرف عليها الوزارات رقابياً وليس تنفيذياً.

وتقوم الوزارات المركزية بدورين أساسيين:

1.    صياغة السياسات العامة والخطط الاستراتيجية.

2.مراقبة الأداء وضمان الامتثال للمؤشرات الوطنية.

الإيجابيات المتوقعة لتطبيق النموذج:

·    تعزيز فعالية تقديم الخدمات العامة وذلك من خلال تبسيط الإجراءات.

· توزيع المسؤوليات وخفض العبء الإداري عن الوزارات المركزية وبالتالي زيادة فعالية الأداء الحكومي.

·  توزيع الموارد والمشاريع والخطط التنموية بشكل يحقق العدالة على مستوى جغرافية الوطن.

·   العمل على تشجيع مشاركة المجتمع المحلي بما يساعد على يعزز الشعور بالانتماء والمسؤولية المجتمعية.

·  القدرة على زيادة الشفافية والمساءلة حيث ستصبح جميع الإدارات المحلية مرئية ومكشوفة أمام المجتمع المحلي.

السلبيات المحتملة للنموذج وكيفية التغلب عليها:

·   الخطر من الفوضى أو الفساد المحلي: ومن الممكن معالجته عبر إنشاء جهاز مركزي رقابي مستقل، وفرض نظم حوكمة واضحة ومعلنة.

·   ضعف الكفاءات في بعض المناطق النائية: وللتغلب على ذلك يتطلب الأمر برامج تأهيل وبناء قدرات إدارية محلية تستمر على مدى سنوات.

·   تفاوت الموارد المالية بين المناطق: ولحل هذه المشكلة لا بد من آلية "التسوية المالية المركزية" لضمان توزيع عادل للموارد الوطنية.

·  احتمالية تضارب السياسات بين المركز والمناطق: ويمكن تجاوز ذلك من خلال وجود استراتيجيات وطنية شاملة وملزمة لجميع المجتمعات المحلية، مع وجود مرونة تنفيذية على المستوى المحلي.

وخلاصة الحديث لم تعد المركزية مرادفاً للقوة ولا اللامركزية مرادفا للتفكك، فما تحتاجه سورية اليوم هو نموذج عقلاني مرن ووطني، يقوم على تمكين المجتمعات المحلية وتخفيف العبء عن المركز ويحافظ على وحدة القرار السيادي للدولة.

فاللامركزية الخدمية ليست مجرد مقترح إداري بل هي تصور استراتيجي يقوم على إعادة بناء علاقة الثقة بين المواطن والدولة ويستند إلى مراعاة عوامل البيئة السورية، والاستفادة من التجارب الدولية دون أن استنساخها والهدف من ذلك كله بناء نموذج يخدم الوطن ولا يتجاوزه، نموذج يفعل سيادة الدولة لا يفرغها، نموذج يعزز الانتماء من خلال خدمة المواطن لا من خلال إخضاعه.

تعليقات