تبدأ سورة القصص بسنة من سنن الله التي لا تتخلف، طال الزمان أم قصر، عبر عنها فعل من أفعال الله جل في علاه، {ونريد}: بصيغة المضارع الذي يدل على التجدد والاستمرار.
فمن سنن الله في عباده ابتلاء المؤمنين قبل حصول النصر والتمكين،
"وقد اقتضت حكمته أن خلع النصر وجوائزه إنما تفيض على أهل الانكسار". ابن القيم في زاد المعاد (3/417)
فلا يَيئسنَّ مؤمنٌ في ليالي الابتلاء، فإن لظلام مِحَنِها صباحًا سيبدد تلك الظلمات، وينتشر نورُه في جنَبات الحياة.
الاستضعاف والوعود الربانية:
في مطلع سورة القصص وعود من الله المُؤمن: المُأمِّنِ لعباده والصادق في وعده للمستضعفين.
{وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسۡتُضعِفُواْ} أن يتفضل عليهم بإهلاك عدوهم وإزالة الاستضعاف عنهم.
{وَنَجعَلَهُم أَئِمَّةٗ} وأن يجعلهم قدوات يهدون إلى الحق.
{وَنَجۡعَلَهُمُ الوَٰرِثِينَ} وأن يجعلهم يرثون أرض الشام المباركة بعد هلاك فرعون.
{وَنُمَكِّنَ لَهُمۡ فِي الأَرضِ} بجعلهم أصحاب السلطان فيها.
{وَنُرِيَ فِرعَونَ وَهَٰمَٰنَ وَجُنُودَهُمَا مِنهُم مَّا كَانُواْ يَحذَرُونَ } " وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ " وزيره " وَجُنُودَهُمَا " الذين بهم صالوا وجالوا، وعلوا وبغوا، [نريهم] من هذه الطائفة المستضعفة "مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ " من إخراجهم من ديارهم، ولذلك كانوا يسعون في قمعهم، وكسر شوكتهم، وتقتيل أبنائهم.
فكل هذا قد أراده الله، وإذا أراد أمرا، سهل أسبابه، ونهج طرقه فإنه قدّر وأجرى من الأسباب -التي لم يشعر بها لا أولياؤه ولا أعداؤه -ما هو سبب موصل إلى هذا المقصود". السعدي
تأمل قول الله تعالى: {فأخذناهُ وجنوده} فالظالم له سجَّان يبطش وله هيئةٌ دينية تشرعن طغيانه باسم الإسلام، وكلهم في الإثم سواء.
ما بين زمن الاستضعاف إلى زمن التمكين: صناعة القادة {وَأَوحَينَآ إِلَىٰٓ أُمِّ مُوسَىٰٓ أَن أَرضِعِيهِۖ فَإِذَا خِفتِ عَلَيهِ فَأَلقِيهِ فِي اليَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحزَنِيٓۖ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيۡكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المُرسَلِينَ (7)} [القصص]
موسى عليه السلام: قائد صنعه الله ليقضي على الظلم بمواجهة أكبر طاغية عرفه التاريخ ويحول الله به أمة من مستضعفين إلى أعزة منتصرين،
مهمة كهذه تحتاج تهيئه استثنائية تفضل بها رب البريّة {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي(39)} [طه]
فوهبه الله قوة البدن وقوة القلب {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ(26)} [القصص]
وتفضل الله عليه بالعلم الكثير وآتاه الحكم بين الناس وجعله من المحسنين. {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ(14)} [القصص]
ختاما:
آيات القرآن البينات منهج متكامل للنصر والتمكين، يبدأ بإصلاح القلب وتجديد العبودية الخالصة لله تعالى {إِنَّمَآ أُمِرتُ أَن أَعۡبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ الۡبَلۡدَةِ} فمسيرة التمكين تبنى على الإيمان الجازم من خلال منهج ونور القرآن {وَأَن أَتلُوَاْ ٱلۡقُرءَانَۖ} هذا الطريق لا بد له من ابتلاءات تصقل الإيمان وتُمحّص النفوس {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسۡتُضعِفُواْ}.
اكتب مراجعة عامة