سميحة بنعمر
الأمين العام لشبكة الرواد التخصصية
ومستشارة منصة المرأة المسلمة
وخريجة أكاديمية "تفسير" بالرياض
ما أهون الضالين على الله، الأفق مسدود، لا بصيص أمل..
الغشاوة أحكمت على الأبصار..
قال تعالى: {إِنَّا جَعَلۡنَا فِيٓ أَعۡنَٰقِهِمۡ أَغۡلَٰلٗا فَهِيَ إِلَى ٱلۡأَذۡقَانِ فَهُم مُّقۡمَحُونَ (8) وَجَعَلۡنَا مِنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ سَدّٗا وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ سَدّٗا فَأَغۡشَيۡنَٰهُمۡ فَهُمۡ لَا يُبۡصِرُونَ (9)} (سورة يس)
عن ابن عباس في قوله: (إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون) قال: هو كقول الله تعالى: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك) [الإسراء: 29] يعني بذلك: أن أيديهم موثقة إلى أعناقهم، لا يستطيعون أن يبسطوها بخير.
وقال مجاهد: (فهم مقمحون) قال: رافعو رءوسهم، وأيديهم موضوعة على أفواههم، فهم مغلولون عن كل خير.{يَٰحَسۡرَةً عَلَى ٱلۡعِبَادِۚ مَا يَأۡتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ (30)} (سورة يس)
وقال قتادة: (ياحسرة على العباد): أي يا حسرة العباد على أنفسها، على ما ضيعت من أمر الله، فرطت في جنب الله. قال: وفي بعض القراءة: " يا حسرة العباد على أنفسها "
ومعنى هذا: يا حسرتهم وندامتهم يوم القيامة إذا عاينوا العذاب، كيف كذبوا رسل الله، وخالفوا أمر الله، فإنهم كانوا في الدار الدنيا المكذبون منهم. (ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون) أي: يكذبونه ويستهزئون به، ويجحدون ما أرسل به من الحق.
{أَلَمۡ أَعۡهَدۡ إِلَيۡكُمۡ يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ أَن لَّا تَعۡبُدُواْ ٱلشَّيۡطَٰنَۖ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ (60) وَأَنِ ٱعۡبُدُونِيۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ (61) وَلَقَدۡ أَضَلَّ مِنكُمۡ جِبِلّٗا كَثِيرًاۖ أَفَلَمۡ تَكُونُواْ تَعۡقِلُونَ (62)} (سورة يس)
قال السعدي: "هذا التوبيخ، يدخل فيه التوبيخ عن جميع أنواع الكفر والمعاصي، لأنها كلها طاعة للشيطان وعبادة له، {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} فحذرتكم منه غاية التحذير، وأنذرتكم عن طاعته، وأخبرتكم بما يدعوكم إليه"
في أجواء الامتناع عن كل خير والتكذيب والاستهزاء بالرسل يلوح بصيص الأمل: هذا الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى
{وَجَآءَ مِنۡ أَقۡصَا ٱلۡمَدِينَةِ رَجُلٞ يَسۡعَىٰ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلۡمُرۡسَلِينَ (20) ٱتَّبِعُواْ مَن لَّا يَسۡـَٔلُكُمۡ أَجۡرٗا وَهُم مُّهۡتَدُونَ (21) وَمَا لِيَ لَآ أَعۡبُدُ ٱلَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ (22)} (سورة يس)
قال ابن عاشور: ووصف الرجل بالسعي يفيد أنه جاء مسرعاً، وأنه بلغه هم أهل المدينة برجم الرسل أو تعذيبهم، فأراد أن ينصحهم خشية عليهم وعلى الرسل، وهذا ثناء على هذا الرجل يفيد أنه ممن يقتدى به في الإسراع إلى تغيير المنكر.
قال د. محمد العواجي: "كثيرٌ من أبناء الإسلام يرى أنه لا يصلح لخدمة الدين إلا العلماء والدعاة الذين لهم باعٌ طويل في العلم والدعوة، فإذا قارن حالَه بحالهم، وجد مسافةً بعيدةً؛ فلا يلبث ان يضعف عزمه، وتفتر همَّته؛ فيعيش سلبيًا لا يقدم لدينه! لا، بل كل فرد مهما كانت حاله يصلح لنصرة دينه إذا سلك الطريق الصحيح في ذلك. قال تعالى: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ} فاعتبر".
يقول الشيخ ابن باز ناصحا الدعاة إلى الله:
"نصيحتي لكل داعي ولكل مجاهد ولكل آمر بالمعروف وناه عن منكر ولكل مرشد ومعلم ولأشباههم، النصيحة للجميع، هو الاستمرار في الطريق الطيب والصبر على ذلك والصبر على الأشواك التي قد تؤذي، والصبر على كل ما قد يعوق عن الطريق أو يقف في الطريق من سائر العقبات حتى يبلغ المؤمن والداعي إلى الله مراده أو يموت دون ذلك"
ثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال لـعلي بن أبي طالب أمير المؤمنين رضي الله عنه لما بعثه إلى خيبر ليدعو اليهود -سكان خيبر ذاك الوقت- إلى الإسلام، قال له ﷺ: فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم"
فالنفوس العظيمة تبادر إلى المعالي وقبول الحق، ولا تتهيب الدعوة إليه، ولا تخشى فيه عَذل عاذل، ولا تهديد طاغية فاجر..
فكم من نفس يجب أن تزهق لكي تأتي من أقصى غفلتك تسع
اكتب مراجعة عامة