أ.د عصام اشويدر
رئيس شبكة الرواد الإلكترونية
ورئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان
الحمد لله الذي جعل الاقتداء بالنبي ﷺ نورًا للمستضعفين، والصلاة والسلام على من جاء وحيدًا فغيَّر العالم، وعلى آله وصحبه الذين حملوا الدعوة في زمن الغربة. أما بعد:
فقد قال النبي ﷺ: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ» (رواه الترمذي وحسنه الألباني). وفي رواية أخرى: «بَدَأَ الإِسْلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ» (رواه مسلم).
وأما الحديث الذي أشرتَ إليه – «يَأْتِي النَّبِيُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ» (أخرجه الطبراني في الكبير وحسنه الألباني) – فهو يُجلّي حقيقةً عظيمة: أن النصر ليس معيارَ الإخلاص، ولا نتيجةً حتميةً للعمل الدعوي أو السياسي الشرعي، بل العبرةُ بالثبات على المنهج، واتخاذ الأسباب، وصدق التوكل على الله.
العبر المستفادة:
1. النجاة في الصدق لا في العدد:
- لو كان العبرة بالنتائج لَما بقي إبراهيم عليه السلام وحيدًا يُحطّم الأصنام، أو نوحٌ يُنادي قرونًا فلا يؤمن به إلا قليل. قال تعالى: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} (الأنعام: 116).
2. السياسة الشرعية: منهج لا موازين قوة دنيوية:
- السياسة في الإسلام ليست صراعًا على السلطة، بل هي حملُ الأمانة بضوابط الشرع. قد يُكتب لها النصر، أو تُبتلى بالصبر، لكن المطلوب هو العدل وإقامة الحق حتى لو أدى إلى ضعف ظاهري. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله".
3. التعبد بالعمل لا بالنتيجة:
- لو كانت العبرة بالنتائج لَما استمر الدعاة تحت التعذيب، ولَما صبر المسلمون الأوائل في مكة. الله تعالى قال: {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ} (الرعد: 40).
4. النصر بيد الله وحده:
- التاريخ الإسلامي شهد انتصاراتٍ جاءت بعد يأس (بدر، فتح مكة)، وهزائمٍ بعد قوة (أحد، حنين). الفارق كان في الإخلاص والاستقامة. قال تعالى: {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} (آل عمران: 126).
الخاتمة:
الغرباء هم الأعلون فليثق العاملون أن "الغربة" علامة صدق، وأن الأجرَ مُرتبطٌ بالثبات لا بالنتائج. كما قال النبي ﷺ: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ» (متفق عليه). فاللهم اجعلنا من الغرباء الذين يُصلحون إذا فسد الناس، ويُذكرون إذا نُسِي الحق، ويصبرون إذا استعجل الآخرون بالتنازل.
اكتب مراجعة عامة