أ.د عصام اشويدر الحسني
رئيس شبكة الرواد الإلكترونية
رئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الانسان
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة:
تجاوز القراءات المبسطة نحو فهم استراتيجي معمق مع بالغ الأسف، نلاحظ أن بعض المشايخ والمفكرين قدّموا قراءات سطحية للصراع الإيراني الإسرائيلي، اختزلته في ثنائية مذهبية أو في سرديات عاطفية لا تلامس جوهر الصراع ولا تعكس تعقيداته الجيوسياسية. إن تجاهل ميزان القوى، وتاريخ الصراع، وتشابك المصالح الدولية، لا يخدم الوعي العام ولا يساهم في بناء موقف استراتيجي واعٍ.
من هذا المنطلق، نقدم قراءة تحليلية ، تنطلق من رفضنا للمد الإيراني الرافضي المذهبي، ورفضنا للاحتلال الصهيوني التوسعي، ومناهضتنا للهيمنة الأمريكية في المنطقة. هذا التحليل يسعى لتقديم فهم شامل لصراع وجودي معقد يتجاوز المواجهة العسكرية المباشرة ليشمل أبعاداً نووية وشبكات وكالة إقليمية وتنافساً على الهيمنة الاستراتيجية بشكل موضوعي مستعينا فيه بالله ثم ببعض الرسائل التي وصلتني حول الموضوع من مفكرين وعلماء كرام فقهوا أبعاد الصراع الحاصل.
الفصل الأول: ما قبل التصعيد – تراكمات الصراع وتطور "حرب الظل"
✓السياق التاريخي والاستراتيجي
منذ الثورة الإيرانية عام 1979 تبنت طهران خطاباً عدائياً تجاه "الكيان الصهيوني" لجلب الرأي العام الإسلامي والقومي ولأنها تتعارض مع خططها الإقليمية، وبدأت في بناء شبكة من الوكلاء الإقليميين (حزب الله، الحشد الشعبي، الحوثيون) بهدف تطويق إسرائيل من الشمال والجنوب. في المقابل، اعتبرت تل أبيب أن المشروع النووي الإيراني والتمدد الإقليمي لطهران يمثلان تهديداً وجودياً. الصراع الإيراني الإسرائيلي ليس مجرد صراع ثنائي، بل محور أساسي في إعادة تشكيل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط. إيران، من خلال مشروعها التوسعي المذهبي الرافضي، سعت لبناء "محور المقاومة" كاستراتيجية للهيمنة الإقليمية، بينما تتبع إسرائيل استراتيجية "القلعة المحصنة" مع التوسع التدريجي لنفوذها العسكري والتكنولوجي.
✓تطور العقائد العسكرية والحرب غير المتماثلة
خلال العقدين الماضيين، خاض الطرفان "حرب ظل" استخدمت فيها أدوات غير تقليدية: اغتيالات، هجمات سيبرانية، ضربات جوية محدودة، واستهداف متبادل للسفن. تبنت إسرائيل "عقيدة الأخطبوط" (2018) التي تنقل الضغط من الوكلاء (حزب الله وغزة) إلى القلب الإيراني مباشرة، بهدف إجبار طهران على كبح وكلائها.
في المقابل، انتقلت إيران من الدفاع إلى الهجوم المباشر بعد اختبار قدراتها الصاروخية في عمق إسرائيل، رافضةً سياسة الاحتواء الإسرائيلية. لكن نقطة التحول جاءت بعد هجوم 7 أكتوبر 2023، حيث اتهمت إسرائيل إيران بدعم حماس، ما أدى إلى تصعيد غير مسبوق.
الفصل الثاني: مرحلة التصعيد المباشر – من حرب الوكلاء إلى المواجهة المفتوحة
✓ نقطة التحول: من الظل إلى العلن
بدأ التصعيد المباشر بضربة إسرائيلية على القنصلية الإيرانية في دمشق (13 يونيو/حزيران 2025)، مما أسفر عن مقتل قائد في الحرس الثوري. هذه الضربة كسرت قواعد الاشتباك التقليدية وأجبرت إيران على الرد المباشر للمحافظة على مصداقيتها أمام حلفائها ووكلائها. في يونيو 2025، شنت إسرائيل عملية عسكرية واسعة النطاق استهدفت منشآت نووية وعسكرية داخل إيران، مستخدمة أكثر من 200 طائرة حربية، وقتلت عدداً من كبار قادة الحرس الثوري. وردت طهران بإطلاق أكثر من 300 صاروخ وطائرة مسيّرة على أهداف إسرائيلية، في أول هجوم مباشر وعلني من إيران على إسرائيل.
✓ البُعد الأمريكي: من الوساطة إلى المشاركة المباشرة
اللافت أن الولايات المتحدة شاركت في الضربات على منشآت نووية إيرانية (مثل منشأة فوردو وناتانز وأفت أن الولايات المتحدة شاركت في الضربات على منشآت نووية إيرانية (مثل منشأة فوردو وناتانز وأصفهان)، بينما ردت إيران باستهداف قاعدة العديد الأمريكية في قطر، في رسالة مزدوجة لإسرائيل وواشنطن. هذا التدخل الأمريكي المباشر يعكس رغبة في ضبط الإيقاع وفرض معادلة جديدة، لكنه كشف عن سياسة متذبذبة بين الضربات المباشرة ودفع الأطراف لوقف النار.
الضربات الأمريكية للمنشآت النووية الإيرانية تمثل نقطة تحول جوهرية في المعادلة الاستراتيجية. هذه الضربات ليست مجرد عمل عسكري تكتيكي، بل رسالة استراتيجية واضحة بأن الولايات المتحدة تحت إدارة ترامب مستعدة لاستخدام القوة العسكرية المباشرة لمنع إيران من تطوير قدرات نووية.
الفصل الثالث: وقف إطلاق النار – بين "الردع المتبادل" و"التهدئة المشروطة".
✓ ديناميكيات الهدنة الهشة في 24 يونيو
أُعلن عن وقف إطلاق نار بوساطة قطرية، وبتدخل مباشر من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. أعلن ترامب وقف إطلاق نار لمدة 12 ساعة بعد ضربات أمريكية استهدفت المنشآت النووية الإيرانية. ورغم أن طهران نفت وجود اتفاق رسمي، فإنها أعلنت وقف الرد العسكري بشرط توقف إسرائيل عن العدوان.
لكن الهدنة سرعان ما تعرضت لانتهاكات متبادلة: اتهمت إسرائيل إيران بإطلاق صواريخ بعد ساعتين ونصف من بدء الهدنة، بينما نفت طهران ذلك وأمرت إسرائيل برد "قوي" على الانتهاك المزعوم. هذه الاتهامات المتبادلة تكشف عن هشاشة الترتيبات الأمنية وصعوبة الثقة بين الأطراف.
✓ تقييم المكاسب والخسائر بتجرد حسب الخبراء العسكريين
القراءة السطحية ترى في هذا الوقف "انتصاراً إيرانياً" أو "هزيمة إسرائيلية"، لكن الواقع أكثر تعقيداً:
المكاسب الإسرائيلية:
- نجحت في توجيه ضربة قاصمة للبنية النووية والعسكرية الإيرانية
- قتلت قادة من الصف الأول في الحرس الثوري
- حققت أهدافاً تكتيكية مهمة في تأخير البرنامج النووي الإيراني
- عززت موقعها في المعادلة الإقليمية
المكاسب الإيرانية المحدودة:
- أثبتت قدرتها على ضرب العمق الإسرائيلي
- فرضت معادلة ردع جديدة - تجنبت الانهيار الكامل للنظام
- احتفظت بجزء من شبكتها الإقليمية
الخسائر الإيرانية:
- تدمير جزئي للبنية التحتية النووية
- كشف ضعف منظومات الدفاع الجوي
- فقدان هيبة الردع أمام حلفائها ووكلائها
- تراجع النفوذ الإقليمي
الفصل الرابع: تفنيد القراءات السطحية والتحليل النقدي
✓ نقد الخطابات المبسطة
الخطاب الثاني: الزعم بأن إسرائيل "سُحقت" يتغافل عن نجاحها في تنفيذ عمليات دقيقة داخل إيران، وعن الدعم الأمريكي المباشر الذي تلقته. كما يتجاهل قدرتها على تحقيق أهداف استراتيجية مهمة في إضعاف القدرات النووية الإيرانية.
الخطاب الثالث: الاحتفاء الأمريكي بـ"السلام من خلال القوة" لا يعكس سوى محاولة لاحتواء التصعيد دون معالجة جذور الصراع، بل قد يكون تمهيداً لمرحلة تفاوضية تُفرض فيها شروط قاسية على طهران.
✓ التحديات المنهجية في التحليل
إن التحليل الاستراتيجي للصراع يتطلب تجاوز عدة تحديات منهجية: 1. تجنب الانحياز العاطفي: الحكم على النتائج بناءً على الأهداف المحققة وليس (التعاطف مع أحد الأطراف) 2. التمييز بين التكتيك والاستراتيجية: النجاح في معركة واحدة لا يعني بالضرورة الانتصار في الحرب الطويلة الكلام يقصدان فيه معا 3. فهم البُعد الزمني: تقييم النتائج قصيرة المدى مقابل التداعيات طويلةالمدى 4. تحليل متعدد الأبعاد: مراعاة الأبعاد العسكرية والسياسية والاقتصادية والدبلوماسية.
الفصل الخامس: رؤية استراتيجية لما بعد وقف إطلاق النار
✓ السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول: الاستقرار النسبي الهش:
يعتمد على استمرار وقف إطلاق النار وتطوره إلى اتفاق أوسع، لكن هذا يتطلب: - التزام جميع الأطراف بالاتفاق - معالجة الأسباب الجذرية للصراع - دور فعال للقوى الإقليمية المعتدلة - إيران في موقع دفاعي: رغم خطاب النصر، تعاني طهران من خسائر استراتيجية، وستسعى لإعادة بناء قدراتها النووية والعسكرية.
السيناريو الثاني: التصعيد المحدود والحرب الهجينة عودة التوترات من خلال:
- عمليات الوكلاء والميليشيات.
- الحرب السيبرانية والتخريب.
- التصعيد التدريجي المحسوب.
- إسرائيل تعزز الردع: ستستثمر دولة الإحتلال نجاحها العسكري لتكريس معادلة "الضرب أولاً"، وقد تواصل استهداف البنية التحتية الإيرانية في سوريا والعراق.
السيناريو الثالث: المواجهة الشاملة، وهو الأخطر ويشمل:
- انهيار كامل لوقف إطلاق النار.
- توسع المواجهة لتشمل وكلاء إيران.
- تدخل قوى إقليمية ودولية أخرى.
- المنطقة أمام مرحلة "ردع هش": وقف إطلاق النار لا يعني نهاية الصراع، بل بداية مرحلة أكثر خطورة.
✓ التداعيات الاستراتيجية طويلة المدى:
انهيار التوازن النووي: الضربات الأمريكية على منشآت إيرانية نووية تقوض سنوات من الدبلوماسية الهشة، وقد تدفع إيران لتسريع برنامجها النووي. هذا التطور يخل بمعادلة عدم الانتشار في المنطقة ويفتح الباب أمام سباق تسلح نووي إقليمي.
تصعيد الوكالات والحروب بالوكالة: مع استمرار "حرب الظل"، ستعيد الفصائل المدعومة إيرانياً (حزب الله في لبنان، الحوثيون في اليمن، الميليشيات العراقية) تنشيط هجماتها ضد إسرائيل. هذا التطور قد يحول الصراع الثنائي إلى صراع إقليمي متعدد الجبهات.
إعادة التموضع الأمريكي: الولايات المتحدة تعيد التموضع: تدخلها العسكري المباشر يعكس رغبة في ضبط الإيقاع، لكنها قد تستخدم وقف إطلاق النار كورقة ضغط في مفاوضات نووية جديدة. الوساطة الأمريكية أكدت هيمنة واشنطن على ملف الصراع، لكنها كشفت عن سياسة متذبذبة.
الفصل السادس: التوصيات الاستراتيجية والرؤية المستقبلية.
✓ للقوى الإقليمية العربية
- استثمار هذه الفترة لتعزيز التكامل الأمني والاقتصادي.
- بناء قدرات دفاعية مستقلة تحد من التبعية للقوى الخارجية.
- تطوير تكنولوجيات دفاعية متقدمة وأنظمة إنذار مبكر.
-تطوير دبلوماسية فعالة للتأثير على مسار الأحداث.
-بناء تحالفات إقليمية سنية قادرة على موازنة النفوذ الإيراني والإسرائيلي
✓الرؤية المستقبلية: نحو نظام إقليمي جديد:
التحول من الصراع إلى التنافس المحدود.الصراع الإيراني الإسرائيلي دخل مرحلة جديدة تتطلب إعادة تقييم شاملة للاستراتيجيات والسياسات. وقف إطلاق النار الحالي ليس سوى "هدنة قلق" تسبق موجة تصعيد أوسع، خاصة مع اتهامات متبادلة بالانتهاك.
✓بناء التوازن الاستراتيجي:
إن مستقبل المنطقة يتوقف على قدرة القوى الإقليمية على بناء نظام أمني جديد يقوم على التوازن والردع المتبادل، وليس على الهيمنة أو التوسع المذهبي أو القومي بل الإسلامي الخالص . هذا النظام يجب أن يستند إلى:
خاتمة:دروس مستفادة ومتطلبات المرحلة القادمة:
إن الصراع الإيراني الإسرائيلي ليس مجرد نزاع مذهبي أو مواجهة بين "محورين"، بل هو تعبير عن خلل بنيوي في النظام الإقليمي، تغذيه أطماع توسعية، ومشاريع هيمنة، وتدخلات دولية. هذا الصراع يدخل مرحلة "الحرب الهجينة" التي تجمع المواجهة المباشرة وحروب الوكالة، في مشهد يعكس تحولاً جيوسياسياً خطيراً في الشرق الأوسط.
✓الدروس المستفادة بشكل عام:
✓متطلبات المرحلة الراهنة:
المطلوب ليس الانحياز لأحد طرفي الصراع، بل بناء موقف استراتيجي مستقل، يرفض الاحتلال والتمدد الطائفي معاً، ويؤسس لرؤية تحررية شاملة. هذا يتطلب تجاوز القراءات السطحية والانخراط في تحليل عميق ومسؤول للواقع الاستراتيجي المعقد في المنطقة.
إن مستقبل المنطقة رهينٌ بتوحيد الصفوف على هدفٍ استراتيجي واضح، منبعه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والتحرر من التبعية الفكرية والسياسية للغرب، والاستعداد لتحمُّل أعباء المواجهة بثباتٍ وصبرٍ ومصابرة. فالنصر "صبر ساعة"، ولكنّه يحتاج إلى إرادة صلبة، وعزيمة لا تلين، ورؤيةٍ واضحةٍ تُخرِج الأمّة من دائرة التبعية إلى فضاء القيادة.
✓الدروس المستفادة بشكل خاص:
✓متطلبات المرحلة القادمة:
في النهاية نؤكد:
ليست المعركة مع إيران أو الصهاينة او غيرهم مجرد صراع حدود أو نفوذ أو أرض، بل هي معركة وجود وهُويّة. والسبيل إلى النجاح يبدأ بِعودة الأمة إلى دينها، ووحدتها على الحق، ورفضها للتبعية، واستعدادها لدفع الثمن. فالمستقبل لا يُبنى بالشعارات، بل بالإرادة الفولاذية التي لا تنكسر أمام التحديات، والتي تؤمن بأن وعد الله نافذٌ: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}.
اكتب مراجعة عامة