img
img

حول إدعاء استبدال العرب بالفرس في ضوء الآية والحديث النبوي وربط ذلك بإيران

img
المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان

حول إدعاء استبدال العرب بالفرس في ضوء الآية والحديث النبوي وربط ذلك بإيران

أ.د عصام اشويدر

رئيس شبكة الرواد الإلكترونية ورئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الانسان 



 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاه والسلام على نبينا محمد وعلى اله وصحبه ومن والاه

مقدمة في فهم الآية والحديث

قبل الخوض في تحليل هذه المسألة، من المهم أن نبدأ بفهم النص القرآني والحديث النبوي في سياقهما الصحيح. الآية الكريمة من سورة محمد (آية 38) تقول: {هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ ۚ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم}.

أما الحديث الذي ورد في صحيح الترمذي وغيره، فيروي أن الصحابة سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن معنى هذه الآية، فقالوا: "يا رسول الله من هؤلاء الذين ذكر الله إن تولينا استبدلوا بنا؟" فضرب النبي صلى الله عليه وسلم على فخذ سلمان 

الفارسي وقال: "هذا وقومه، والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطاً بالثريا لتناوله رجال من فارس" .

 السياق التاريخي للنصوص

 سياق الآية الكريمة

نزلت هذه الآية في سياق الحث على الإنفاق في سبيل الله والتحذير من البخل. فالله تعالى يخاطب المؤمنين بأنهم مدعوون للإنفاق في الجهاد، ولكن بعضهم يبخل، وهذا البخل ضرره يعود على الباخل نفسه لأن الله غني عن العالمين .

الآية تتضمن تحذيراً للمسلمين من التولي عن دين الله، وأن عاقبة ذلك الاستبدال بأقوام آخرين. وهذا أسلوب تربوي قرآني للتحفيز على الثبات على الدين والجهاد فيه .

سياق الحديث النبوي

الحديث الذي يذكر سلمان الفارسي وقومه جاء كجواب على سؤال الصحابة عن معنى "يستبدل قوماً غيركم". وإشارة النبي صلى الله عليه وسلم إلى سلمان وقومه كانت لبيان أن الاستبدال ليس محصوراً في العرب، بل يشمل كل من يلتزم بالدين ويقوم بحقه .

من المهم ملاحظة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل أن الفرس سيحلون محل العرب كقومية، بل أشار إلى أن منهم رجالاً سيبلغون درجات عالية في الإيمان والالتزام الديني .

المقصود بالاستبدال شرعاً

المعنى اللغوي والشرعي

الاستبدال في اللغة: إزالة شيء وإقامة غيره مقامه. وفي الشرع: إزالة قوم عن منزلتهم بسبب تقصيرهم في الدين وإبدالهم بآخرين يقومون بحق الله تعالى .

 شروط الاستبدال وأسبابه

الاستبدال المذكور في الآية مشروط بالتولي عن الدين، وهو قد يعني الارتداد أو التقصير الشديد في القيام بحقوق الدين . وهذا ليس خاصاً بالعرب، بل يشمل كل من يتولى عن دين الله من أي قوم كانوا .

 طبيعة القوم البديل

القوم البديل لا يشترط فيهم أن يكونوا من عرق معين، بل المقياس هو التقوى والالتزام بالدين. فسلمان الفارسي لم يمدح لفارسيته، بل لتقواه والتزامه .

 الرد على الشبهة

 أولاً: خطأ حصر الاستبدال في العرق الفارسي

الاستبدال ليس عرقياً بل دينياً: النصوص الشرعية تؤكد أن التفاضل بين الناس بالتقوى لا بالأنساب والأعراق. ففي الحديث: "لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى"حديث صحيح .

سلمان الفارسي نموذج للتقوى: النبي صلى الله عليه وسلم لما مدح سلمان قال: "سلمان منا أهل البيت" ، ولم يقل "سلمان أفضل من العرب"، مما يدل على أن المقياس هو الدين لا العرق.

 ثانياً: الاستبدال ليس خاصاً بالعرب

الآية تخاطب المؤمنين عامة: الخطاب في الآية للمؤمنين وليس 

للعرب تحديداً. والاستبدال قد وقع في تاريخ الأمم السابقة كبني إسرائيل .

أقوال المفسرين: ذكر الطبري وابن كثير أن الاستبدال قد يكون بأي قوم يلتزمون بالدين، وذكروا أن بعض المفسرين قالوا إنهم أهل اليمن أيضاً .

ثالثاً: الفهم الصحيح للحديث

الحديث ليس تشريفاً مطلقاً للفرس: بل هو إشارة إلى أن الإيمان قد يبلغه أقوام من غير العرب إذا حرصوا عليه. وهذا لا يعني أفضلية عرقية .

النبي صلى الله عليه وسلم حذر من التعصب العرقي.

 رابعاً: الأدلة القرآنية على عدم التفاضل العرقي

قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات:13].

قوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً} [هود:118].

 أقوال العلماء المعتبرين في المسألة

 أقوال المفسرين

الطبري: ذكر في تفسيره أن الاستبدال قد يكون بالعجم من فارس، لكنه لم يحصره فيهم، بل ذكر أيضاً قولاً بأنهم أهل اليمن.

ابن كثير: فسر الاستبدال بأن الله سيأتي بأقوام آخرين يقومون بحق الدين إذا تولى عنه الأولون، دون تحديد عرقي .

الطاهر بن عاشور: ذكر أن التولي في الآية يعني الرجوع عن الإيمان إلى الكفر، والاستبدال يكون بمن يحافظ على الدين .

 أقوال الفقهاء

1. الإمام ابن تيمية (في مجموع الفتاوى 3/413):

"ليس في الحديث تفضيل جنس على جنس، وإنما فيه أن الإيمان قد يوجد في غير العرب، كما وجد في العرب، وهذا حق"

2. الإمام القرطبي (في تفسيره 16/317):

"الاستبدال عام في كل من تولى عن طاعة الله، وقد استبدل الله ببني إسرائيل النصارى، ثم استبدل بالمقصرين منهم هذه الأمة"

3. الإمام الشوكاني (في فتح القدير 5/98):

"المراد بالقوم غيركم من أي جنس كانوا، إذا قاموا بما يجب من الدين، ولم يكن فيهم من التولي والإعراض ما فيكم"

4. الشيخ محمد رشيد رضا (في تفسير المنار 9/293):

"إشارة النبي ﷺ إلى سلمان تدل على أن الأجناس كلها سواء في قبول الخيرية بالتقوى، لا أن الفرس أفضل من العرب"

5. الإمام ابن عثيمين (في شرح رياض الصالحين):

"الحديث ليس فيه أن الفرس أفضل، بل فيه أن من الفرس من يبلغ درجة عالية في طلب الإيمان، كما بلغها من العرب"

6. الإمام المناوي (في فيض القدير 3/457):

"قوله (هذا وقومه) إشارة إلى أن الخيرية ليست محصورة في قوم دون قوم، بل كل من اتصف بالتقوى فهو عند الله كريم"

7. الشيخ صالح الفوزان (في إعانة المستفيد 2/31):

"الاستبدال يكون بمن يقوم بالدين كاملاً من جميع الأجناس، لا خصوص الفرس أو غيرهم"

8. الشيخ المفيد الشيعي (ت 413هـ) في كتابه "تصحيح الاعتقاد":

"إنما ضرب النبي صلى الله عليه وسلم على منكب سلمان ليبين أن الخيرية في الدين ليست بقومية ولا نسب، بل بالتقوى والعمل الصالح. فمدحه لمعناه الإيماني لا لجنسه الفارسي، إذ لو كان المدح للعرق لمدح العرب دون غيرهم، وهم قبيلته صلى الله عليه وسلم. وهذا أصل عظيم في نقض دعاوى التعصب الجاهلي"

كتب الشيخ المفيد هذا في الرد على طائفة كانت تروج للتعصب الفارسي في عصره، مبيناً أن النصوص الشرعية تنقض هذه العصبية كما تنقض عصبية العرب.

 الخلاصة والنتائج

1. الآية والحديث لا يدلان على استبدال عرقي (عرب بفرس) بل على استبدال ديني (المتولون عن الدين بالمتمسكين به).

2. الحديث عن سلمان الفارسي وقومه كان لبيان أن الإيمان ليس حكراً على قوم دون آخرين، وليس لتأسيس تفاضل عرقي.

3. النصوص الشرعية تؤكد أن التفاضل بين الناس بالتقوى 

والعمل الصالح، لا بالأنساب والأعراق.

4. الاستبدال المذكور في الآية ليس خاصاً بالعرب، بل يشمل كل من يتولى عن دين الله من أي قوم كانوا.

5. الفهم الصحيح للنصوص يمنع استخدامها في غير موضعها .

6. الأمة الإسلامية تتسع لكل الأعراق والألوان، والجامع بينها هو العقيدة الصحيحة والعمل الصالح.

 توصيات

1. عدم استخدام النصوص الشرعية دون فهم لها .

2. فهم النصوص في سياقها الصحيح وبمساعدة أقوال العلماء المعتبرين.

3. التركيز على معيار التقوى في تقييم الأشخاص والأمم كما جاء في القرآن والسنة.

4. الحذر من القراءات السياسية المعاصرة التي تحاول توظيف النصوص الشرعية لأغراض غير شرعية.

5. اعتبار سلمان الفارسي نموذجاً للانتماء للإسلام بغض النظر عن الأصول العرقية.

6. لا ينبغي الخلط بين الفرس وحصرهم في إيران ، ويبغي فهم الحقائق التاريخية والجغرافية لبلاد فارس ، وأن بلاد فارس كانت سنية ..

بلاد فارس وأهل السنة: حقائق تاريخية وجغرافية

1. فارس و إيران:  

   - فارس هي منطقة تاريخية تشمل جنوب إيران الحالية، وكانت مركز الإمبراطورية الفارسية العظيمة قبل الإسلام.  

   - إيران اسم حديث (مُعتمد رسميًا عام 1935)، ويشمل دولًا وأقاليم كانت مستقلة تاريخيًا مثل كردستان والأحواز وبلوشستان.  

2. أهل السنة في فارس: الماضي والحاضر:  

   - قبل الصفويين (قبل 1501م): كانت أغلب فارس سنية المذهب، خاصة في:  

     - شيراز: عاصمة فارس التاريخية، وكانت مركزًا لعلماء 

السنة مثل ابن سينا وسعدي الشيرازي.  

     - أصفهان: كانت مدينة سنية شهيرة، وُلد فيها الإمام أبو حنيفة النعمان (مؤسس المذهب الحنفي).  

     - يزد وكرمان: مناطق سنية حتى القرن العاشر الهجري.  

3. أبرز علماء السنة من فارس:  

   - سلمان الفارسي (صحابي جليل، من أهواز فارس).  

   - الإمام البخاري (من بخارى، وهي منطقة فارسية تاريخيًا).  

   - الإمام مسلم (من نيسابور، في خراسان الكبرى).  

4. أهل السنة اليوم في فارس:  

    - لا يزال هناك وجود سني في(رغم التهميش الرسمي والقتل  والتشريد من طرف رافضة ايران ):  

     - بندر عباس وخورمشهر (عرب أحواز).  

     - زاهدان (بلوش سنيون).  

     - بعض قرى شيراز وأصفهان .  

5. المفارقة التاريخية:  

   - الفرس القدماء (مثل كسرى) لم يكونوا شيعة، بل كانوا مجوسًا ثم أسلم معظمهم على السنة.  

   - التشيع الصفوي (القرن 16م) غيّر الهوية الدينية لفارس بالقوة، لكن جذور السنة باقية. 

الخلاصة:  

فارس العظيمة كانت يومًا قلب العالم السني، وما زال أهل السنة فيها صامدين رغم المحن. التمييز بين "فارس التاريخية" و"إيران الحديثة" مهم لفهم ما يجري اليوم .

وفي الختام، فإن هذه المسألة تذكرنا بقوله تعالى: {وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ}، وهي تحذيرٌ رباني للمسلمين من التخلي عن دينهم، وبشارةٌ بأن الله سيقيض لهذا الدين من يحمله ويقيمه، لكن بشرط أساسي وهو أن يكون هؤلاء القوم:

1. متمسكين بالعقيدة الصحيحة الموافقة لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم

2. متبعين لا مبتدعين، محافظين على أركان الإسلام وأصول الإيمان

3. محسنين للولاء والبراء بحبهم لأهل السنة والجماعة وموالاتهم، وبعدهم عن أهل البدع والضلال

فالاستبدال الإلهي ليس شهادةَ حسن سلوك لأي قوم، بل هو مشروطٌ بالالتزام الكامل بالدين الصحيح. وما يزعمه بعض أهل الأهواء من أنهم البديل الموعود - وهم يخالفون أصول الإسلام 

وينتقصون صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم - فهذا من أبطل الباطل، لأن الله لا يستبدل بمسلمين مقصرين كفاراً أو مبتدعين ضالين.

فهل يكون الإستبدال بالمشركين بالله السابين للصحابة رضوان الله عليهم الذي رموا النبي صلى الله عليه وسلم في عرضه بإتهامهم السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها  المحاربين لأهل السنة ؟ 

وهل يكون الاستبدال بقوم أمعنوا في قتل المسلمين وارتكبوا الفضائع الجرائم في ذلك.." لزوالُ الدنيا أهونُ على اللهِ مِنْ قتلِ رجلٍ مسلمٍ"؟

فالخيرية والاستبدال الإلهي إنما تكون لأهل:

- الاستقامة على السنة

- محبة الصحابة الكرام

- التمسك بالجماعة ( اهل السنة والجماعة)

- الابتعاد عن الغلو والبدع

"الإستبدال الإلهي يكون لمن يقيم الدين وليس لمن يهدمه من رافضة إيران الفارسية  وغيرهم"

وهذا هو المنهج الذي عليه أهل الحق عبر العصور، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

تعليقات