img
img

الصراع الإيراني الصهيوني: عداء مزدوج للأمة الإسلامية وضرورة الانتقال من المتفرج إلى الفاعل الاستراتيجي

img
المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان

الصراع الإيراني الصهيوني: عداء مزدوج للأمة الإسلامية وضرورة الانتقال من المتفرج إلى الفاعل الاستراتيجي

أ.د عصام اشويدر

رئيس شبكة الرواد الإلكترونية ورئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان


الحمد لله والصلاه والسلام على نبينا محمد وعلى اله وصحبه ومن والاه 

 مقدمة: صراع على أشلاء الأمة

تشهد المنطقة اليوم صراعاً محتدماً بين قوتين إقليميتين، كل منهما تدّعي الدفاع عن المقدسات والحقوق، بينما الحقيقة المرة تكشف أن كلاً من إيران والكيان الصهيوني يمثل تهديداً وجودياً للأمة الإسلامية. فبينما يمارس الكيان الصهيوني احتلالاً استيطانياً إحلالياً لأرض فلسطين منذ عقود، تعمل إيران على تصدير مشروعها المذهبي الطائفي وتفكيك النسيج الاجتماعي للمجتمعات السنية.

هذا الصراع الذي يبدو للمراقب السطحي وكأنه مواجهة بين 

"محور المقاومة" و"محور الاعتدال"، هو في جوهره معركة على النفوذ في منطقة باتت ساحة لصراعات الآخرين على جثتها الممزقة، حيث يتنافس الطرفان على النفوذ والسيطرة في منطقة باتت تعاني من وهن شديد. والأمة الإسلامية، التي كانت يوماً قلب العالم النابض، تجد نفسها اليوم بين مطرقة الاحتلال الصهيوني وسندان التوسع الإيراني، في مشهد مأساوي يستدعي وقفة جادة وموقفاً استراتيجياً واضحاً.

 طبيعة العداء المزدوج: وجهان لعملة الهيمنة

 الكيان الصهيوني: الاستئصال المنهجي للهوية الإسلامية

منذ النكبة عام 1948، يمارس الكيان الصهيوني سياسة منهجية من التطهير العرقي والثقافي ضد الشعب الفلسطيني. الأرقام المأساوية تتحدث بوضوح: أكثر من 500 قرية فلسطينية دُمرت بالكامل، وأكثر من 700 ألف فلسطيني هُجّروا من ديارهم، وملايين اللاجئين مازالوا يعيشون في مخيمات الشتات بعد أكثر من 75 عاماً.

لكن العدوان الصهيوني لم يقتصر على فلسطين وحدها. فقد امتدت يد العدوان لتضرب المفاعل النووي العراقي في تموز 

1981، وتقصف مصنع الشفاء في السودان عام 1998، وتشن حروباً متتالية على لبنان وغزة، في سلسلة من الاعتداءات التي تكشف عن استراتيجية واضحة: منع أي دولة عربية أو إسلامية من امتلاك القوة الحقيقية.

الكيان الصهيوني اليوم لا يخفي مطامعه التوسعية، فخرائط "إسرائيل الكبرى" من النيل إلى الفرات ليست مجرد أحلام في أدراج المتطرفين، بل سياسة رسمية تعكسها ممارسات الاستيطان المستمر في الضفة الغربية والقدس، وتصريحات القادة الصهاينة المتكررة حول "الحق التاريخي" في أراضي الآخرين.

 إيران الثورة: الاحتلال المذهبي وتصدير الفتنة

أما إيران، فعداؤها للأمة الإسلامية السنية وإن كان أقل وضوحاً في الإعلام، إلا أنه ليس أقل خطراً أو أقل منهجية. فمنذ انتصار الثورة الخمينية عام 1979، اتّبعت طهران سياسة ممنهجة لاضطهاد أهل السنة داخل حدودها، حيث أُعدم كبار علمائهم، وهُدمت مساجدهم، ومُنعوا من المشاركة السياسية الفاعلة.

الإحصائيات المؤلمة تكشف عن الوجه الحقيقي للنظام الإيراني: 

في طهران التي يبلغ عدد سكانها السنة قرابة المليون نسمة، لا يوجد مسجد سني واحد. وفي بلوشستان وكردستان، يتعرض السنة لحملات قمع دموية مستمرة. والأدهى من ذلك أن المرجعيات الإيرانية الرسمية، على رأسها الخميني نفسه، لم تتورع عن سب أمهات المؤمنين والصحابة الكرام رضوان الله عليهم وتكفير السنة ، عدا الشرك بالله وتحريف القرآن وتفشي ترك الصلاة و الإجتماع على الجهر بالاكل في نهار رمضان...

على الصعيد الإقليمي، عملت إيران على زعزعة استقرار الدول العربية السنية عبر دعم الميليشيات الطائفية وتأجيج النعرات المذهبية. في العراق، ساهمت الميليشيات المدعومة إيرانياً في تهجير مليون سني من ديارهم وقتل مئات الآلاف. في سوريا، قدمت إيران الدعم العسكري والمالي لنظام بشار الأسد في قمعه للثورة السورية، مما أدى إلى مقتل أكثر من نصف مليون سوري وتشريد 13 مليون آخرين. وفي اليمن، دعمت الحوثيين في انقلابهم على الشرعية، مما تسبب في أسوأ أزمة إنسانية في العالم المعاصر.

 المفارقة المكشوفة: عندما يتحالف العدوان في الخفاء

إن أكثر ما يفضح زيف الصراع المعلن بين إيران وإسرائيل هو 

تاريخ التحالف السري بينهما، والذي امتد لعقود طويلة. خلال الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988)، زودت إسرائيل إيران بأسلحة وقطع غيار بقيمة تزيد عن 500 مليون دولار، في صفقات سرية تمت عبر وسطاء أوروبيين وأمريكيين.

الأمر الأكثر إثارة للدهشة أن الطائرات الإسرائيلية التي دمرت المفاعل النووي العراقي في حزيران 1981 كانت قد حصلت على ضمانات إيرانية للهبوط في مطار تبريز في حال الطوارئ. كما أن إسرائيل لم تعترض يوماً على البرنامج النووي الإيراني بل استغلته كفزّاعة لابتزاز الغرب والحصول على المزيد من الدعم العسكري والمالي.

هذا التاريخ من التحالف الخفي يكشف أن الصراع الحالي ليس سوى لعبة سياسية محكمة الإخراج يدخل فيه تقويض إيران عن تخصيب اليورانيوم، وفي مجمله يهدف إلى استنزاف طاقات الأمة الإسلامية وإبقائها في حالة من التشرذم والضعف. فبينما تتقاتل الميليشيات الطائفية والجيوش النظامية على الأرض، تجتمع المصالح الاستراتيجية للطرفين في نقطة واحدة: منع قيام مشروع إسلامي سني موحد وقوي.

التحدي الأكبر: الأمة بين المطرقة والسندان

إن الخطر الحقيقي الذي يواجه الأمة الإسلامية اليوم لا يكمن في تفوق أحد الطرفين على الآخر، بل في استمرار حالة الصراع نفسها. فهذا الصراع يخدم أهدافاً استراتيجية مشتركة للطرفين:

أولاً: إبقاء الأمة الإسلامية في حالة انقسام دائم بين مؤيد لهذا الطرف أو ذاك، مما يمنع تبلور مشروع إسلامي سني موحد.

ثانياً: استنزاف الموارد البشرية والمالية للأمة في صراعات جانبية، بدلاً من توجيهها نحو بناء القوة الذاتية.

ثالثاً: تبرير التدخل الخارجي للقوى الكبرى بحجة "حفظ التوازن" أو "منع انتشار الصراع".

رابعاً: تحويل القضية الفلسطينية من قضية تحرر  إلى صراع طائفي، مما يُفقدها بُعدها الإسلامي الجامع.

الموقف الاستراتيجي: الحياد الإيجابي والتمني بالاستنزاف المتبادل

في ظل هذه المعطيات، يصبح الموقف الشرعي والعقلاني للأمة 

الإسلامية واضحاً: الحياد التام مع التمني بضعف الطرفين واستنزافهما لبعضهما البعض. هذا الموقف ليس انهزامياً أو سلبياً، بل هو موقف استراتيجي يعكس فهماً عميقاً لطبيعة الصراع وأهدافه الخفية.

لقد أدرك بعض العلماء والفقهاء الملمين بفقه الواقع والسياسيين الشرعيين هذه الحقيقة مبكراً، وأشروا كما أشار الشيخ أبو عمر محمود عمر إلى أن "الكيان دولة صغيرة، والأنظمة العربية هي من تقدّم لها الحماية، وأمريكا لن تسمح بزوال إيران". بينما رأى  آخرون أن استمرار الحرب بين الطرفين يخدم مصالح المسلمين الاستراتيجية.

حتى بعض النشطاء على المواقع التواصل الإجتماعي، رغم إختلاف مشاربهم، أظهروا فهماً لهذه المعادلة عندما اعتبروا أن الصراع الإيراني-الإسرائيلي "انتقام ونصر من الله بوقوع الدولتين في معركة بينهما"، داعية إلى استمرار الحرب بين الطرفين.

 نحو الفاعلية الاستراتيجية: الخروج من دائرة المتفرجين

لكن الحياد لا يعني الجمود أو الاستسلام للواقع المرير. فالأمة الإسلامية مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بأن تنتقل من 

موقع المشاهد المتفرج السلبي إلى موقع الفاعل الاستراتيجي الذي يصنع التاريخ بدلاً من أن يكون ضحية له. وهذا الانتقال يتطلب عملاً دؤوباً على عدة محاور:

 المحور الأول: بناء القوة الذاتية المتكاملة

لا يمكن للأمة أن تستعيد دورها الحضاري دون بناء قوة ذاتية متكاملة تشمل:

- القوة العسكرية: تطوير قدرات دفاعية حقيقية تحمي الأمة من التهديدات الخارجية

- القوة الاقتصادية: بناء اقتصاد مستقل لا يخضع للابتزاز أو الحصار

- القوة العلمية والتكنولوجية: الاستثمار في البحث والتطوير والتعليم

- القوة الثقافية والإعلامية: نشر الوعي الإسلامي الصحيح ومواجهة حملات التشويه

 المحور الثاني: توحيد الصفوف على أساس العقيدة السليمة

التشرذم والفرقة هما السبب الجذري في ضعف الأمة 

واستهدافها من قبل أعدائها. فبينما توحدت إيران الشيعة تحت مظلة "ولاية الفقيه"، وجمعت إسرائيل اليهود تحت شعار "الدولة اليهودية"، تبقى الأمة السنية ممزقة بين حكومات متصارعة وتيارات متناحرة.

الوحدة المطلوبة ليست مجرد تحالفات سياسية مؤقتة، بل وحدة عقدية وفكرية تقوم على:

- الإيمان بوحدة الأمة الإسلامية وضرورة تضامنها

- رفض التدخل الأجنبي في شؤون المسلمين الداخلية  

- إعطاء الأولوية للمصالح الإسلامية العليا على المصالح القطرية الضيقة

- مواجهة مشاريع التقسيم المذهبي والعرقي

 المحور الثالث: استعادة القدس مركزاً للوعي الإسلامي

يجب أن تعود القضية الفلسطينية، وتحديداً تحرير القدس والمسجد الأقصى، إلى صدارة اهتمامات الأمة الإسلامية. فالقدس ليست مجرد مدينة فلسطينية، بل هي رمز الهوية الإسلامية وقبلة المسلمين الأولى ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

استعادة القدس كقضية مركزية يتطلب:

- رفض كل مشاريع التطبيع مع الكيان الصهيوني

- دعم المقاومة الفلسطينية الشرعية بكل الوسائل المتاحة

- فضح المؤامرات الرامية إلى تهويد المدينة المقدسة

- ربط القضية الفلسطينية بالهوية الإسلامية الجامعة

 المحور الرابع: مواجهة المشروعين التوسعيين

لا يمكن للأمة أن تقف موقف المتفرج إزاء المشروعين التوسعيين اللذين يهددان وجودها:

المشروع الصهيوني الذي يسعى إلى إقامة "إسرائيل الكبرى" من النيل إلى الفرات، ويعتمد على:

- الاستيطان المنهجي واقتلاع السكان الأصليين

- السيطرة على الموارد المائية والطبيعية

- تفكيك الهوية العربية والإسلامية للمنطقة

المشروع الإيراني الذي يهدف إلى إنشاء "الهلال الشيعي" من طهران إلى بيروت، ويقوم على:

- تصدير الثورة الخمينية وفرض المذهب الشيعي بالقوة

- دعم الميليشيات الطائفية وزعزعة استقرار الدول السنية

- السيطرة على المقدسات الإسلامية وتغيير طابعها السني

مواجهة هذين المشروعين تتطلب استراتيجية شاملة تجمع بين العمل السياسي والعسكري والدعوي والثقافي والتربوي والإعلامي، مع التأكيد على أن الأمة لن تقبل بأي شكل من أشكال الهيمنة الأجنبية على أراضيها ومقدساتها.

 الرؤية المستقبلية: من الضعف إلى القوة، ومن التبعية إلى الاستقلال

إن الصراع الإيراني-الصهيوني، بكل تعقيداته وتداعياته، يطرح أمام الأمة الإسلامية خيارين لا ثالث لهما:

الخيار الأول: البقاء في دائرة المفعول به، والاكتفاء بردود الأفعال، والانزلاق أكثر في مستنقع التبعية والضعف، حتى تصبح الأمة مجرد ساحة لصراعات الآخرين وتنازعهم على النفوذ.

الخيار الثاني: النهوض والانتقال إلى دور الفاعل الاستراتيجي، وبناء مشروع حضاري إسلامي مستقل، يستطيع مواجهة التحديات وحماية المصالح العليا للأمة.

الخيار الثاني هو الخيار الوحيد المقبول شرعاً وعقلاً، وهو يتطلب تضافر جهود جميع القوى الحية في الأمة: العلماء والمفكرون، والسياسيون والعسكريون، والاقتصاديون والتقنيون، والإعلاميون والمثقفون.

كما يتطلب هذا الخيار وعياً عميقاً بطبيعة المرحلة التاريخية التي تمر بها الأمة، وفهماً دقيقاً لموازين القوى الإقليمية والدولية، واستراتيجية طويلة المدى تركز على بناء القوة الذاتية قبل الانخراط في صراعات الآخرين.

 خاتمة: الصحوة أم المزيد من السبات

الصراع الإيراني-الصهيوني ليس مجرد أزمة إقليمية عابرة، بل هو اختبار حقيقي لوعي الأمة الإسلامية ونضجها السياسي. فهل ستنجح الأمة في قراءة المشهد بعين البصيرة، وتتخذ الموقف الاستراتيجي الصحيح؟ أم ستنساق وراء الشعارات الرنانة والانفعالات اللحظية؟

إن الصراع الإيراني-الصهيوني ليس صراعاً بين خير وشر، بل هو صراع بين شرين، كل منهما يسعى إلى تفكيك الأمة الإسلامية وإضعافها.

إن الموقف الصحيح، كما أوضحنا، هو الحياد الإيجابي مع التمني 

بإضعاف الطرفين واستنزافهما، مع التركيز على بناء القوة الذاتية للأمة. هذا الموقف يعكس حكمة سياسية عميقة، ووعياً استراتيجياً متقدماً، ونظرة بعيدة المدى تتجاوز الانفعالات الآنية إلى المصالح العليا والثوابت الجوهرية.

لقد آن الأوان للأمة الإسلامية أن تتخلص من عقدة الضحية، وأن تتحول من دور المتفرج إلى دور البطل. فالتاريخ لا يرحم الضعفاء، والجغرافيا لا تحمي العاجزين، والمستقبل لا ينتمي إلا للأقوياء.

الفرصة متاحة اليوم أكثر من أي وقت مضى، فالعالم يشهد تحولات جذرية في موازين القوى، والأمة تملك كل مقومات النهضة: الموارد البشرية والطبيعية، والتاريخ الحضاري العريق، والعقيدة الصحيحة الجامعة، والحافز القوي للتغيير.

المطلوب فقط هو الإرادة الصلبة، والرؤية الواضحة، والعمل الدؤوب لتحويل هذه الإمكانات إلى واقع ملموس. فإما أن تختار الأمة أن تكون صانعة لتاريخها، فاعلة في حاضرها ومستقبلها، أو تبقى مفعولاً به في سيناريوهات يكتبها آخرون لخدمة مصالحهم ومشاريعهم.

والخيار، في النهاية، بيد الأمة نفسها.

تعليقات

الكلمات الدلالية