د.عبد السلام زكريا
دكتوراه في إدارة الأعمال ورئيس قسم إدارة الأعمال في جامعة باشاك شاهير
الحمد لله وكفى، وصلاة
وسلاماً على عباده الذين اصطفى، لا سيما عبده المصطفى وآله وصحبه ومن اقتفى.
تتناول
هذه المقالة وبشكل موجز ومبسط النموذج القيادي للنبي يوسف عليه السلام، من خلال
عدسة الذكاء العاطفي
(Emotional Intelligence)والذي
يعتبر أحد أبرز المفاهيم في أدبيات الإدارة الحديثة، وبالاستناد إلى مواقف مفصلية
من سورة سيدنا يوسف عليه السلام، وعلى رأسها قوله تعالى: ﴿فأسرّها يوسف في نفسه
ولم يُبدها لهم﴾، سنسلط الضوء على ممارسات يوسف عليه السلام التي تعكس وعي
عاطفي متقدم، وتحكم داخلي كبير، يشبه ما وصفه
Daniel Goleman
في نموذجه للذكاء العاطفي المكون من خمس كفاءات
أساسية سنتناولها بالتفصيل الآن مع الأدلة عليها من سيرة نبي الله يوسف عليه
السلام.
أولا: الوعي الذاتي (Self-Awareness) —
يقول
الله تعالى: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي
نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ (يوسف: 77).
نلاحظ
بأن الآية الكريمة تجسد لحظة وعي داخلي كبير لدى سيدنا يوسف علسه السلام، حيث
احتوى مشاعر الغضب والانكسار الداخلي دون أن يسمح لها بالظهور، ولم تكن هذه المرة الوحيدة
بل يظهر الوعي الذاتي أيضا في موضع سابق: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾
(يوسف: 33).
هذا
الدعاء من سيدنا يوسف علسه السلام لم يكن مجرد طلب نجاة، بل هو إفصاح واعٍ عن
إدراكه لذاته وحدودها ومواطن ضعفه البشرية، ووعيه لما قد يهدد توازنه الأخلاقي
والعاطفي.
وهذا
ما يصفه Goleman بأنه "الوعي بالميول النفسية
وتحييد تأثيرها على القرارات"، وهو أحد أبرز الخصائص للقادة أصحاب الاتزان النفسي.
ثانيا: التنظيم الذاتي (Self-Regulation) —
يظهر
تنظيم الذات في مواقف كثيرة في سيرة سيدنا يوسف عليه السلام، ومنها قوله تعالى:
﴿وَقَالَ
الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ، فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى
رَبِّكَ فَسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ...﴾ (يوسف: 50). فلم يندفع سيدنا يوسف عليه
السلام للخروج مباشرة من السجن، رغم قسوة السجن، بل طالب بتبيان الحقيقة أولاً، فقدم
سمعته على حريته، وهذا يتطلب تحكما عاطفيا نادرا ينم عن وعي بأهمية الصورة
الأخلاقية قبل الحرية.
كما
أن اختياره لأسلوب المواجهة غير المباشرة مع إخوته، عبر خطط مثل وضع السقاية في
رحل أخيه، يدل على ضبط انفعالي واستراتيجي طويل الأمد، وليس رد فعل لحظي.
ثالثا: الدافعية (Motivation) —
ففي
قوله تعالى: ﴿قال اجْعَلْنِي عَلَىٰ
خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (يوسف: 55).
لا
يمكن فهم هذا الطلب من سيدنا يوسف عليه السلام إلا ضمن سياق الدافعية الرسالية،
وليس طموح في المنصب والسلاطة، حين رأى سيدنا يوسف عليه السلام في نفسه كفاءة
لخدمة المجتمع، في زمن أزمة اقتصادية متوقعة، وفي وقت سابق حينما كان في السجن
استخدم علمه لتفسير رؤى السجناء: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ
أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ؟﴾ (يوسف:
39).
فبقي
سيدنا يوسف عليه السلام مدفوعا بإيصال قيم التوحيد حتى وهو مظلوم، هذه دافعية
داخلية أخلاقية تشبه ما يسميه
Goleman بـ"التحفيز المتجاوز للذات".
رابعا: التعاطف (Empathy) —
تظهر
قمة التعاطف في قصة سيدنا يوسف عليه السلام حينما اجتمع بأهله بعد سنين من الغياب
والظلم، فقال لهم: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ
الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (يوسف: 92).
وقبلها
كان قد احتفظ بأخيه لكنه فعل ذلك برفق وإعادة ترتيب عاطفي لعائلته، دون إيذاء أو
انتقام.
كما
أن تكرار وصف مشاعره الإنسانية، مثل قوله لأبيه: ﴿ وَقَالَ یَـٰۤأَبَتِ هَـٰذَا تَأۡوِیلُ رُءۡیَـٰیَ مِن قَبۡلُ
قَدۡ جَعَلَهَا رَبِّی حَقࣰّاۖ ﴾ (يوسف: 100). يدل على عاطفة قوية تجاه
والديه وتقدير لرحلتهم النفسية معه، وليس فقط سردا للأحداث.
خامسا: بناء العلاقات (Social Skill) —
نجح
سيدنا يوسف عليه السلام في كسب ثقة الجميع (الملك، موظفي الدولة، عامة الناس،
إخوته، وأهله) وقد فعل ذلك عبر الذكاء العاطفي وليس فقط عبر الكفاءة.
فحين
قال الملك: ﴿ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ (يوسف:
54)، كانت إجابة سيدنا يوسف دليل على مهارات تواصل كبيرة، جعلته يبدو مميزا أمام
الملك من أول عملية تواصل.
هذا وما كان من توفيق
فمن الله، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء،
اكتب مراجعة عامة