الشبكة
تسليح مليشيات في غزة: لعبة خطيرة بيد الاحتلال الإسرائيلي
أ.د عصام اشويدر
رئيس شبكة الرواد الإلكترونية
رئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الانسان
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله وصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى اله وصحبه ومن والاه
في خطوة أثارت جدلاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والأمنية للإحتلال، كشف بنيامين نتن ياهو عن تسليح مجموعات مسلحة محلية في قطاع غزة بهدف مواجهة المقاومة، وهو ما أثار موجة انتقادات حادة من معارضيه وحتى من داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية نفسها كونه أخفى الأمر دون عرضه على مجلس الوزراء أو الكابينت والذي فضح هذه الخطوة زعيم حزب "إسرائيل بيتنا" ..
تحليل استراتيجي: مخاطر سياسة التسليح الإحتلال الإسرائيلي في غزة
الوضع الحالي المؤكد
كشفت قناة "كان" الإسرائيلية أن قرار تل أبيب تزويد عصابات في قطاع غزة بالسلاح جاء بمبادرة من جهاز الأمن العام (الشاباك)، وبتصديق من بنيامين نتن ياهو. برز اسم ياسر أبو شباب بعد فراره من
سجن حماس إثر غارة إسرائيلية وتشكيله "ميليشيا القوات الشعبية" في شرق رفح، بدعم وتنسيق إسرائيلي.
التحليل الاستراتيجي للمخاطر
1. استراتيجية "فرق تسد" الكلاسيكية
هذه الخطة تمثل تطبيقاً حديثاً لاستراتيجية "فرق تسد" التي اعتمدتها القوى الاستعمارية تاريخياً. الهدف واضح: خلق صراع داخلي فلسطيني يُضعف المقاومة ويُحوّل البوصلة من مقاومة الاحتلال إلى صراعات داخلية.
2. الأهداف الكيان متعددة الأبعاد
أ. تشتيت المقاومة: إجبار حماس والفصائل على محاربة جبهتين - الاحتلال والمليشيات المدعومة إسرائيلياً.
ب. إضفاء الشرعية: تصوير الصراع كصراع فلسطيني-فلسطيني وليس ضد الاحتلال.
ج. السيطرة الطويلة المدى: إنشاء قوة محلية تابعة تضمن السيطرة الإسرائيلية دون تكلفة مباشرة.
المقارنات التاريخية الحاسمة
1. تجربة "الصحوات" في العراق (2006-2010)
الآلية: دعمت القوات الأمريكية عشائر سنية لمحاربة تنظيم القاعدة.
النتيجة المؤقتة: انخفاض مؤقت في العمليات.
الفشل النهائي:
- تم التخلي عن هذه الميليشيات لاحقاً
- تحولت إلى مصدر عدم استقرار جديد
- ساهمت في ظهور تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)
- خلقت انقسامات مجتمعية عميقة لا تزال تؤثر على العراق
2. المليشيات الأفغانية المدعومة أمريكياً ضد طالبان (2001-2021)
السياق والتطبيق:
بعد غزو أفغانستان عام 2001، اعتمدت الولايات المتحدة استراتيجية تسليح ودعم مليشيات محلية متنوعة لمحاربة حركة طالبان والجماعات المسلحة الأخرى.
المليشيات المدعومة أمريكياً:
أ. قوات التحالف الشمالي:
- تم دعمهم بالمال والسلاح والتدريب
- ضمت مقاتلين من الطاجيك والأوزبك والهزارة
- استخدمتهم أمريكا كقوة بديلة لمحاربة طالبان
ب. المليشيات القبلية المحلية:
- برامج "أبناء أفغانستان" (Afghan Local Police)
- مليشيات الـ "Arbaki" (الحراس القبليين)
- قوات محلية في مناطق مختلفة
ج. جيش أفغانستان الوطني:
- تم تدريبه وتسليحه بمليارات الدولارات
- اعتبر القوة الأساسية لمواجهة طالبان
- انهار تماماً في أغسطس 2021
الفشل الكارثي والنتائج:
أ. انهيار فوري وشامل (أغسطس 2021):
- سقوط كابل في أيام رغم 20 عاماً من التدريب والتسليح
- فرار القادة المدعومين من البلاد
- تسليم السلاح لطالبان دون قتال
ب. أسباب الفشل الجوهرية:
- خيانة الله تعالى
- فقدان الشرعية الشعبية: المليشيات المدعومة خارجياً اعتُبرت عميلة
- الفساد المستشري: القادة اهتموا بالإثراء أكثر من القتال
- عدم وجود قضية: قاتلوا من أجل المال وليس من أجل مبدأ
ج. النتيجة النهائية: غير محصورة
- انتصار طالبان الكامل وعودتها أقوى من السابق
- تدمير البنية الاجتماعية الأفغانية
- خسائر هائلة: مئات الآلاف من القتلى وتريليونات الدولارات مهدورة
3. الحرب الأهلية اللبنانية والمليشيات المدعومة خارجياً
النتيجة: دمار شامل، تفكك المجتمع، وعقود من عدم الاستقرار.
المخاطر الاستراتيجية الحتمية
1. المخاطر قصيرة المدى
أ. تفكيك الوحدة الفلسطينية: خلق صراعات داخلية تُضعف النسيج الاجتماعي الفلسطيني.
ب. تشويه صورة المقاومة: تحويل الرواية من مقاومة مشروعة ضد الاحتلال إلى "صراع طائفي" أو "عشائري".
ج. إطالة أمد الصراع: خلق حالة من الفوضى المنتجة (من المنظور الإسرائيلي) التي تبرر استمرار الاحتلال.
2. المخاطر متوسطة المدى
أ. انهيار البنية الاجتماعية: تدمير الثقة بين مكونات المجتمع الفلسطيني.
ب. تكريس الانقسام: تحويل الخلافات إلى صراعات مسلحة.
ج. فقدان الهوية الإسلامية والوطنية: تحويل الصراع من جهاد تحرري إلى صراعات فئوية.
3. المخاطر طويلة المدى
أ. التطبيع مع الاحتلال: جعل المجتمع الفلسطيني يتعايش مع الاحتلال كأمر واقع.
ب. فقدان القضية الفلسطينية شرعيتها: تصويرها كصراع داخلي وليس قضية تحرر و مقاومة.
ج. خلق نموذج للانتشار: تصدير هذا النموذج لمناطق أخرى في الشرق الأوسط.
لكن "تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُمْ وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ" (سورة البقرة: 216)
تُشير هذه الآية الكريمة إلى حكمة إلهية عظيمة، حيث قد يرى الناس المصائب والفتن شراً، ولكنها في حقيقتها تحمل خيراً
عظيماً، ومن ذلك تمييز الصفوف، وكشف الحقائق، وبيان الصادق من الكاذب، والمخلص من المنافق. وفي هذه الأزمن والفتنة تظهر الحقائق جليةً، ويُظهر الله الخبيث من الطيب، كما يخرج أصحاب النوايا الخبيثة والطابور الخامس من مخابئهم، فيُعرف الصديق من العدو.
مؤشرات الفشل التاريخي المؤكد
1. دورة "الاستخدام والتخلص"
التاريخ يؤكد أن القوى الكبرى تستخدم المليشيات المحلية ثم تتخلى عنها:
- الخونة الأفغان المدعومون أمريكياً انهاروا أمام طالبان
- الصحوات العراقية تم تهميشها بعد تحقيق الهدف
- المليشيات اللبنانية تم التضحية بها عند تغير المصالح
2. قانون "العود الحتمي"
كل مليشيا يتم إنشاؤها لأهداف آنية تتحول حتماً ضد منشئيها:
- انقلاب الوسائل على الأهداف
- تطوير أجندات مستقلة
- البحث عن شرعية عبر مواجهة الراعي الأصلي
التطبيق على الحالة الفلسطينية: الدروس من أفغانستان
1. التشابه المرعب
أ. نفس الاستراتيجية: إسرائيل تحاول تكرار النموذج الأمريكي في
أفغانستان ( هنا امر مهم للمتأمل والذي يبحث عن حقيقة الصراع فمن هندس لأمريكا في صناعة الملشيات الأفغانية والصحوات هو نفسه الذي يهندس لنت نياهو )
ب. نفس الأدوات: تسليح مليشيات محلية لمحاربة "المتطرفين" (حماس = طالبان).
ج. نفس الأهداف: تجنب التكلفة المباشرة للاحتلال عبر استخدام قوى محلية.
2. مؤشرات الفشل المؤكد
أ. فقدان الشرعية الحتمي:
- أي مليشيا تحارب المقاومة الفلسطينية ستفقد شرعيتها شعبياً
- حماس تحتفظ بصورة المقاوم الأصيل ضد الاحتلال
ب. التحول إلى أدوات فساد:
- المليشيات ستتحول إلى عصابات تبحث عن المال والنفوذ
- القادة سيثرون على حساب القضية الفلسطينية
ج. الانهيار المؤكد:
- عندما تنسحب إسرائيل أو تغير استراتيجيتها، ستنهار هذه المليشيات ( اسرائيل الان تستنزف وتقتل بجنون وتسارع لتجد حل يحفظ ماء الوجه فلم تجد إلا المليشيات وهذا حل فاشل من أوله مصير هذا الميشيات القتل او الاستسلام)
- ستسلم أسلحتها للمقاومة كما حدث في أفغانستان
التحذيرات الضرورية للشعب الفلسطيني
1. رفض المشاركة في هذا المخطط
أ. التوعية المجتمعية: نشر الوعي حول خطورة هذه الاستراتيجية على المشروع الفلسطيني، وقبله خيانة لله وروسوله ﷺ والأمانة التي إختارهم الله لها حماية بيت المقدس
ب. الوحدة : تجاوز الخلافات الداخلية والتركيز على العدو الحقيقي.
ج. فضح التعاون: كشف هوية المتعاونين وعزلهم مجتمعياً.
2. التمسك بالثوابت
أ. وحدة الهدف: التحرير الكامل للأراضي الفلسطينية.
ب. وحدة العدو: الاحتلال الصهيوني هو العدو الوحيد.
ج. وحدة المصير: مصير فلسطيني مشترك بغض النظر عن الاختلافات.
3. استخلاص الدروس التاريخية
أ. دراسة التجارب الفاشلة: فهم كيف فشلت المليشيات المدعومة خارجياً في تحقيق أهدافها.
ب. تعزيز الهوية الفلسطينية الإسلامية: مقاومة محاولات تفتيت الهوية الفلسطينية الجامعة.
ج. الحفاظ على البوصلة: عدم السماح بتحويل الصراع عن مساره الأصلي.
الدروس الحاسمة والمستفادة من التجربة الأفغانية
1. التاريخ يعيد نفسه
- كل محاولة لإنشاء مليشيات بديلة عن المقاومة الأصيلة فشلت
- القوة الحقيقية تأتي من الإستعانة بالله والإستجابة لأوامره ثم من
الشرعية الشعبية وليس من الدعم الخارجي
2. المصير المحتوم للمتعاونين
- في أفغانستان، كل من تعاون مع أمريكا ضد طالبان انتهى إما بالفرار أو الإذلال
- في فلسطين، سيكون المصير مماثلاً لكل من يتعاون مع الاحتلال 3. قوة الصبر والمقاومة
- طالبان صبرت 20 عاماً وانتصرت في النهاية
- المقاومة الفلسطينية، إذا حافظت على وحدتها ومبادئها، ستنتصر حتماً وتاريخها مليئ بالصبر المصبارة وقد علمت العالم ذلك ..
الخلاصة الاستراتيجية والتحذير النهائي
إن سياسة تسليح المليشيات في غزة تمثل استراتيجية للإحتلال الصهيوني خطيرة تهدف إلى تدمير المشروع المقاومة من الداخل. هذه المحاولة هي نسخة طبق الأصل من:
الفشل التاريخي المتكرر:
- الصحوات العراقية التي انتهت بظهور داعش وتدمير العراق واندثرت
- المليشيات الأفغانية المدعومة أمريكياً التي انهارت أمام طالبان بعد 20 عاماً من الدعم
- المليشيات اللبنانية التي دمرت النسيج الاجتماعي لعقود
النتائج المؤكدة للمخطط الإسرائيلي:
- دمار مؤقت للمجتمع الفلسطيني وتفتيت وحدته وإنه لخير فالصفوف ستتميز ويظهر الصادق من الخائن المنافق
- تقوية نهائية للمقاومة الفلسطينية بعد فشل البديل المصطنع
- فشل ذريع للمخطط الإسرائيلي كما فشلت كل المحاولات السابقة
- انهيار حتمي للمليشيات المدعومة عند تغير الظروف
هذا المخطط خيانة وخسران في الدنيا والآخرة:
الخيانة:
- خيانة لله وللأمة :إن التعاون مع المحتل أو مساعدته بأي شكل من الأشكال هو خيانة عظمى لله ولرسوله وللمؤمنين، وهو من أعمال المنافقين والمرتدين الذين يُظهرون الإسلام ويبطنون الكفر والعداء لأمة المسلمين ،قال سبحانه: {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة: 51]، أي أن من يوالِي الكفار المحتلين فهو كأحدهم في الإثم والعقوبة ، قال النبي ﷺ: "مَنْ عَادَى وَلِيَّا لِلَّهِ أَوْ قَاتَلَهُ فَقَدْ بَارَزَ اللَّهَ بِالْحَرْبِ" (صحيح البخاري) ، ولعن ﷺ الخَوَنَة (أي الخائنين) الذين يُساعدون الأعداء على المسلمين.
- خيانة للوطن: التعاون مع العدو المحتل ضد أبناء الشعب الواحد
- خيانة للقضية: تحويل البوصلة من مقاومة الاحتلال وجهاده إلى قتال داخلي
- خيانة للتاريخ: التحالف مع من احتل الأرض ودنس المقدسات
- خيانة للأجيال القادمة: تدمير مستقبل فلسطين لمصالح آنية
الخسران في الدنيا:
- فقدان الشرعية الشعبية والعزلة الاجتماعية الكاملة
- مصير مظلم محتوم كما حدث لكل المتعاونين عبر التاريخ
- تدمير السمعة والكرامة أمام الأجيال القادمة
- انهيار حتمي عند تخلي الراعي الإسرائيلي عنهم
- العيش في الخوف والقلق من انتقام الشعب والتاريخ
-عقوبة الخيانة في الإسلام في الدنيا:
التعاون مع المحتل من الجرائم الكبرى التي تستوجب حدَّ الحرابة(المحاربة لله ورسوله) ، قال تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا...}[المائدة: 33].
الخسران في الآخرة:
- المشاركة في الظلم والتعاون على الإثم والعدوان
- خيانة الأمانة التي حملها كل فلسطيني تجاه أرضه ومقدساته
- إعانة الظالم على ظلمه لأبناء الشعب الواحد
- التسبب في إراقة الدماء البريئة لأهداف العدو
- عقوبته في الآخرة: الخائنون ملعونون ومصيرهم جهنم مع الكافرين، قال تعالى: {وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَىٰ}
[طه: 81].
الحقيقة التاريخية الراسخة:
التاريخ يؤكد بوضوح أن هذه الاستراتيجيات تفشل حتماً وتأتي بنتائج عكسية، لكن الضرر الذي تلحقه بالشعوب يكون مدمراً وطويل الأمد. كل التجارب السابقة تؤكد:
- الصحوات العراقية انتهت بالتهميش وظهور تنظيمات أكثر تطرفاً
- المليشيات الأفغانية انهارت تماماً وسلمت أسلحتها لطالبان
- المتعاونون مع الاحتلالات عبر التاريخ انتهوا جميعاً إلى مزبلة التاريخ
المطلوب فلسطينياً:
وعي جماعي بخطورة هذا المخطط ورفض المشاركة فيه بأي شكل من الأشكال، والتمسك بدين الله وشرعه و بالوحدة والهدف الأساسي: إنهاء الاحتلال وتحرير فلسطين.
الدرس الأهم: التاريخ يُعلمنا أن الاحتلال مؤقت والمقاومة دائمة. وكما انتصرت طالبان بعد 20 عاماً من المقاومة، ستنتصر المقاومة الفلسطينية إذا رفضت الانزلاق في مستنقع الفتن والمليشيات المدعومة من العدو.
الرسالة الأخيرة:
إن المشاركة في هذا المخطط ليست مجرد خطأ سياسي، بل هي خيانة عظمى تجلب الخسران في الدنيا والآخرة. فالتاريخ علّمنا أن كل من تعاون مع الاحتلال ضد شعبه انتهى إلى مزبلة التاريخ، بينما بقيت قضية التحرر من الإحتلال راسخة عبر الأجيال.
لا تكونوا الطرف الخاسر في معادلة محسومة النتائج مسبقاً -الله سبحانه ثم التاريخ مع المقاومة الأصيلة، وليس مع عملاء الاحتلال. ومن يختار طريق الخيانة فقد اختار طريق الهلاك في الدنيا قبل الآخرة.
في يوم عيد الأضحى 10 ذي الحجة 1446
اكتب مراجعة عامة